حذف الخبر
يرى الفرّاء أنه يجوز أن يُحذف الخبر من المبتدأ الأول استغناءً عنه بخبر المبتدأ الثاني المذكور في الجملة المعطوفة على جملة المبتدأ الذي حُذف خبره، واستشهد على ذلك بقوله تعالى:"عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ" (ق/17) فقال:"... وإن شئت جعلت القعيد واحدًا اكتفى به من صاحبه كما قال الشاعر [1] :"
نَحنُ بما عندنا وانت بَما عِندك راضٍ والرأيُ مختلفُ" [2] "
ويجوز عكسُ ذلك تمامًا أي أن يجعل الخبر المذكور للأول ... وإن تأخرّ بعد المبتدأ الثاني- ويكون خبر المبتدأ الثاني محذوفًا استغناءً عنه بخبر الاول إذا كان الخبر المذكور يصلحُ للمبتدأين كليهما ولم تكن فيه قرينة لفظية أو معنوية تُقيدِّه بأَحَدِهِما دون الأخر كقوله تعالى:"وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى" (سبأ/38) فقد قال الفرّاء فيها: (ولو وجّهت(التي) الى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد صلح ذلك" [3] ."
والتقدير في البيت هو (نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض) ، وقد استدَلَّ سيبويه بحذف الخبر الذي هو عمدة في هذا البيت وأمثاله على جواز حذف المفعول الذي هو فضله [4] . فكما أن المفعول به محذوف في قولك: هربتُ وضربني زيدُ، لدلالة الثاني عليه والتقدير فيه ضربتُ زيدًا وضربني زيدُ؛ وكذلك ههنا في بيت الشاعر قد حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه وجاز ذلك لأن معناهما واحد، ولا يصحُّ أن نَجعل (راضٍ) خبرًا
(1) نُسب في الكتاب 1/ 75 الى قيس بن الخطيم، وهو في ملحقات ديوانه: 239. ونسبه الفرّاء الى مَرّار الأسدي، ونسب لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر 1/ 147، وشرح ابيات سيبويه 1/ 279 ومجاز القرآن 1/ 39، شواهد الايضاح: 1/ 12، وتفرّد الأنباري في الانصاف 1/ 95 في نسبته الى درهم بن زيد الانصاري وليس هو لدرهم. وورد بلا نسبه في أمالي بن الحاجب: 2/ 726، وأمالي ابن الشجري 1/ 265، والبحر المحيط: 2/ 323 ومجمع البيان: 1/ 89.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 77.
(3) السابق: 2/ 363.
(4) ظ: كتاب سيبويه: 1/ 75.