الصفحة 74 من 406

ونلاحظ من كلام الفرّاء على هذا الشاهد أنَّه اعتمد في ذلك على أمن اللبس واتضاح المعنى عند العرب؛ لانه معلوم لديهم ان حَدَّ الزنا هو الرجم وهذا مذهب الخليل أيضًا وكذلك فلم يخالفه أحد في تقدير البيت إلا ابن عصفور كما مرّ.

وقال الفرّاء في قوله تعالى:"يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا" (الإنسان/5) (إنها عين تسمى الكافور، وقد تكون كان مزاجُها كالكافور لطيب ريحه، فلا تكون حينئذ اسمًا، والعرب تجعل النصب في أي هذين الحرفين أحبوا. قال حسانِ [1] :

كأنَّ خبيئَةً من بيت رأْسٍ يكونُ مِزاجُهَا عسلُ وماءُ [2]

وهو أبين في المعنى أن تجعل الفعل في المزاج، وإن كان معرفة وكل صواب) [3] .

فقد روى الفرّاء بيت حسان هذا بالرفع في قوله:"يكونُ مزاجُها عسلُ وماءُ"، ورواه سيبويه بالنصب في (مزاجها) ، والرفع في (عسل وماءُ) ، وقد تعددَّت في هذا البيت آراء العلماء وذهبوا فيه مذاهبَ شتى، فعّده سيبويه من شواهد الإبتداء بالنكرة فقال:"لايبدأ بما يكون فيه الْلبس وهو النكرة" [4] فمزاجها عنده خبر (يكون) وعسلُ اسمها للعلة التي ذكرها. ورفع المازني (ت245هـ) في روايته للبيت - (مزاجها) و (ماء) ، ونصب (عسلًا) مقدرًا أن الماء مبتدأ وكأنه قال (وهناك ماء) [5] . وروى المبرِّد البيت بنصب (مزاجَها) ورفع (عسلُ وماء) وقال:"واعلم أن الشعراء يضطرون فيجعلون الإسم نكرة والخبر معرفة وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أنَّ الاسم والخبر يرجعان الى شيء واحد" [6] . كما ذهب الى ذلك إبن السراج إلا أن العلة عنده أَن عسلًا وماء نوعان وليسا كسائر النكرات لأنّهما جنسان [7] . وذكر الرماني (ت 384هـ) لهذا البيت خمسة أوجه أذكرها بإيجاز [8] :

(1) ديوان حسان: 1/ 17 والرؤية فيه (كأن خبيثة) .

(2) الخبيئة: المصونة، ويروى: بيئة وهي الخمرة، وبين رأس موضع بالأردن تصنع فيه الخمرة.

(3) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 214 - 215.

(4) كتاب سيبويه:1/ 49.

(5) ظ: المقتضد في شرح الايضاح: 1/ 404.

(6) المتضب للمبرد: 4/ 92 والرواية فيه (كأن سلافة .. )

(7) ظ: الاصول في النحو: 1/ 73 والرواية فيه (كأن سيئةً) .

(8) ظ: توجيه إعراب أبيات ملغزة الإعراب: 12 - 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت