وقد تأوّل البصريون ومن وافقهم من النحاة كل تلك الشواهد، ومنها الآية السابقة على عدة وجوه، هي:
1.أن (الصابئون) معطوف على الفاعل في هادوا، وضعّفه الانباري لأنه يستلزم العطف على المضمر المرفوع وهو قبيح [1] . وردَّه العكبري (616هـ) أيضًا وجعله فاسدًا؛ لانه يوجب كون الصائبين هودًا، وهم ليسوا كذلك، ثم إن هذا الضمير المعطوف عليه لم يُؤَكدّ [2] .
2.ان هذه الآية فيها تقديم وتأخير والتقدير فيها: (إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوفُ عليهم ولاهم يحزنون، والصابئون والنصارى. كذلك [3] .
3.أنَّ خبر (إن الذين آمنوا والذين هادوا) محذوف، ويدلُّ عليه خبر (الصابئين والنصارى) ، فيكون خبر (إن) قد استُغنى عنه لدلالة خبر الجملة الثانية عليه المبتدئة بـ (الصائبون) وهذا ما ذهب اليه أبو عبيدة (ت210هـ) بقوله:"... رفع الصابئون)؛ لأن العرب تُخرج المُشرَك في المنصوب الذي قبله من النصب الى الرفع على ضمير فعل يرفعه، أو استئناف، ولايعملون النصب فيه، ومع هذا إن معنى (إنّ) معنى الإبتداء، ألا ترى أنها لاتعمل إلاّ فيما يليها ثُمَّ ترفع الذي بعد الذي يليها، كقولك: (إنّ زيدًا ذاهبُ) فـ (ذاهبُ) رفعُ وكذلك إذا واليتَ بين مُشرَكين رفعت الأخير على معنى الإبتداء) [4] ."
4.أنّ (الصابئون) منصوبة وليست مرفوعة، وذلك على لغة بلحارث التي تُلْزم الجمعَ الواو في كل حال [5] . كما يلزمون المثنى الألف، فيقولون: مررت برجلان، وقبضت
(1) ظ: الانصاف: 1/ 190.
(2) ظ: التبيان في اعراب القرآن: 1/ 451.
(3) ظ: كتاب سيبويه: 2/ 155، ومشكل اعراب القرآن: 1/ 237 - 239، والكشاف: 1/ 631 - 632، والانصاف: 1/ 187.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 172 - 173، وظ: تحصيل عين الذهب للاعلم الشنتمري: 2292 وشرح المفصل: 8/ 68.
(5) ظ: التبيان في اعراب القرآن: 1/ 452.