الصفحة 161 من 216

«ولست مقيدا أني بقيد» وهذا صحيح، لأن الله عز وجل قال في كتابه (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) (سورة الروم:54) . والإنسان في حالة شبابه يظن أنه لن يتعب ولن يسأم ولن يمل، لكن إذا كبر فكما قال عن زكريا: (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) (سورة مريم:4) لا بد أن يتعب، لا بد أن يمل، فكون الإنسان ينتهز الفرصة هذا أمر لا بد منه.

وقال أسامة بن منقذ:

مع الثمانين عاث الضعف في جسدي... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي

إذا كتبت فخطي خط مضطرب... كخط مرتعش الكفين مرتعد

فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما... من بعد حمل القنا في لبة الأسد

فقل لمن يتمنى طول مدته... هذى عواقب طول العمر والمدد

فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل «كبر الهمة في العلم» .

هذه كلها أبيات تدل على الحكمة، أن الإنسان مآله إلى هذا.

يقول: «مع الثمانين عاث الضعف في جسدي» أي: انتشر وشاع. لكن المؤمن- والحمد لله- ما دام عقله باقيا وقلبه ثابتا، فإن بلغ هذا المبلغ من العجز البدني، فالقلب حاضر يستطيع أن يشغل وقته بذكر الله عز وجل والتفكير في آياته، لأن هذا لا عجز عن مراده إلا الغفلة، والغفلة شيء مشكل.

على كل حال، فالمؤلف- وفقه الله- يدعونا إلى انتهاز الفرصة وألا نضيع الأوقات، واعلم أنك إذا اعتدت على تضييع الوقت، عجزت بعد ذلك عن الحرص عليه وعن الانتفاع به، لأنك تكون قد اعتدت على الكسل.

فإن قال قائل: أليس لنفسك عليك حقا؟

فالجواب: بلى، إن لنفسك عليك حقا، ونحن لا نقول إذا تعبت أو مللت استمر. نقول: لا استرح، حتى إن الإنسان الذي يصلي إذا أتاه النعاس مأمور أن يدع الصلاة وينام. لكن ما دمت نشيطا فاحرص، لأن هناك فرقا بين العجز والكسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت