الصفحة 160 من 216

ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا» وفي لفظ «تسودوا» لأن الإنسان إذا ساد كثرت المشاكل، وكثرت أفكاره وتفرقت وتمزقت عزائمه، فبينما يعزم على شيء إذا بحاجة نزلت به أشد إلحاحا مما عزم عليه... فيتفرق. ولذلك اجتهد ما دمت في زمن الإمهال، وانتبح، واعمل، وابحث، واجعل بطون الكتب هي مرئياتك حتى تعتاد على هذا، واعلم أنك إذا اعتدت على هذا- يعني على الجد والاجتهاد- صار طبيعة لك بحيث لو أنك إذا كسلت يوما من الأيام في الرحلة فإنك تستنكر هذا وتجد الفراغ.

وليكن بحثك مركزا، بحيث لا تقطف من كل زهرة جزءا، اجعل بحثك مركزا الأهم فالأهم، حتى يكون لك ملكة تستطيع أن تخرج المسائل على القواعد والفروع على الأصول.

ما للمعيل وللعوالي إنما = يسعى إليهن الفريد الفارد

المعيل: كثير العيال. والعوالي: جمع عالية- يعني المنازل العالية فإذا كثرت العيال وكثرت المشاغل ألهتك، لأن الإنسان بشر، والطاقة محدودة، فما دمت متفرغا فلتكن متفردا. ولا تظن أن المؤلف يريد بهذا ألا تطلب العيال والنكاح، بل إن النكاح قد يكون من أسباب الراحة إذا وافق الإنسان فيه ويسرت له امرأة صالحة.

وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا... وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القيني:

حنتني حانيات الدهر حتى = كأني خاتل أدنو لصيد

قصير الخطو يحسب من رآني = ولست مقيدا أني بقيد

«خاتل أدنو لصيد» الرجل يكسر ظهره كأنه راكب يمشي ببطء على الأرض يخشى أن الطير يحس به فيطير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت