فهل هذا الهجر الذي وقع من الصحابة لكعب بن مالك هل أثر أو لم يؤثر؟ أثر، أثر رجوعا عظيما إلى الله عز وجل {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} ظنوا بمعنى أيقنوا , لجؤوا إلى الله , ففرج الله عنهم.
فهذا أثر تأثيرا عظيما , وحصل به مصلحة عظيمة , تُتلى قصتهم في كتاب الله عز وجل , يقرؤها المسلمون كلهم في صلواتهم وفي خلواتهم. يذكرونهم كلما مروا بذكرهم هذه فائدة عظيمة ثم فيها محنة عظيمة أيضا لكعب, جاءه كتاب من ملك غسان , فقال له في الكتاب: إنه بلغنا أن صاحبك قلاك -يعني أبغضك وهجرك وتركك- , فالحق بنا نواسك , (يعني ائت إلينا نجعلك مثلنا) -كأنه يشير أن يجعله ملكا على غسان - فماذا فعل؟ رأى أن هذه فتنة عظيمة , ذهب بالورقة فسجَّر بها التنور, يعني أحرقها , إحراقا تاما كراهة لها ولما تضمنته , ولئلا تغلبه نفسه في المستقبل حتى يجيب لهذا الطلب. وهكذا يكون الإيمان وهذه لا شك أنها محنة عظيمة , حصلت من أجل هذه القصة.
فالحاصل أن إفشاء السلام الأصل فيه أنه عام, لكل أحد من المسلمين, إلا من جاهر بمعصية, وكان من المصلحة أن يُهجر فليُهجر.
أما غير المسلمين فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام)
فيحرم علينا أن نبدأ اليهود والنصارى ومن سواهم أخبث منهم فلا نبدأه بالسلام، إن سلموا نرد عليهم , لقول الله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) .فإذا قالوا: السلام عليكم , نقول: عليكم السلام صراحة، لأن الآية ناطقة بذلك (حيوا بأحسن منها أو ردوها) .ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما أمر أن نقول: وعليكم , لأنهم يقولون السام عليكم , كما جاء ذلك مصرحا به في حديث عبد الله بن عمر قال إن اليهود أو قال أهل الكتاب يقولون السام عليكم فإذا سلموا فقولوا وعليكم.