وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حلق العلم آداب الطلب، وأدركت خبر آخر العقد في ذلك في بعض حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف إذ كان بعض المدرسين فيه يدرس طلابه كتاب"الزرنوجي"المتوفى سنة 593هـ رحمه الله تعالى المسمى"تعليم المتعلم طريق التعلُّم"فعسى أن يصل أهل العلم هذا الحبل الوثيق الهادي لأقوم طريق فيدرج تدريس هذه المادةِ في فواتح دروس المساجد وفي مواد الدراسة النظامية وأرجو أن يكون هذا التقييد فاتحة خيرٍ في التنبيه على إحياء هذه المادة التي تهذب الطالب وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمل العلم وأدبه مع نفسه، ومع مدرسه، ودرسه، وزميله، وكتابه، وثمرةِ علمه، وهكذا في مراحل حياته. فإليك حلية تحوي مجموعة آداب نواقضها مجموعة آفات، فإذا فات أدبٌ منها اقترف المفرط آفةً من آفاته، فمُقلٌّ ومستكثر وكما أن هذه الآداب درجات صاعدةٌ إلى السنة فالوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم (يعني ضده) .
ذكر الآداب وضدها إن كانت مسنونة يكون ضدها مكروه وإن كانت واجبة فضدها محرم، ولكن هذا ليس على الإطلاق يعني ليس من ترك كل مسنون فهو مكروه، وإلا لقلنا أن كل من ترك سنة في الصلاة يكون قد فعل مكروهًا، لكن إذا ترك أدبًا من الآداب الواجبة فإنه يكون فاعلا محرمًا في نفس ذلك الأدب فقط لأنه يكون قد ترك فيه واجبًا، وكذلك إذا كان مسنونًا وتركه فينظر إذا تضمن تركه إساءة أدب مع المعلم أو مع زملائه فهذا يكون مكروها لا لأنه تركه ولكن لزم منه إساءةُ الأدب، والحاصل أنه لا يستقيم أن نقول كل من ترك مسنونا فقد وقع في مكروه أو كل من ترك واجبا فقد وقع في محرم يعني على سبيل الإطلاق بل يقيد هذا.