هذا سفيان يقول كنت أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة سلبته، الصرة يعني من السلطان، لما أعطاه سلب فهم القرآن، وهؤلاء هم الذين يدركون الأمور، ولهذا يتحرز السلف من عطايا السلطان ويقولون إنهم لا يعطوننا إلا ليشتروا ديننا بدنياهم، فتجدهم لا يقبلونه، ثم إن السلاطين فيما سبق قد تكون أموالهم مأخوذة من غير حلها فيتورعون عنها أيضا من هذه الناحية، ومن المعلوم أنه لا يجوز للعالم أن يقبل هدية السلطان إذا كان السلطان يريد أن تكون هذه العطية مطيةً له يركبها متى شاء بالنسبة لهذا العالم، أما إذا كانت أموال السلطان نزيهة ولم يكن يقبل الهدية منه ليبيع دينه بها فقد قال النبي صلى عليه وعلى آله وسلم لعمر:"ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشهد ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك"، وغرض سفيان رحمه الله تعالى من ذلك"التحذير"من هذا وتبكيت نفسه على ما صنع.
فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب، بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص شديد الخوف من نواقضه عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه. ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: (ما عالجت شيئا أشد عليَّ من نيتي)
وفي معنى ذلك ما أدري هل هو قول آخر أو نقل بالمعنى، يقول (ما عالجت نفسي على شيءٍ أشد من معالجتها على الإخلاص) وهذا بمعنى كلام سفيان لأن الإخلاص شديد، ولهذا من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فإنه يدخل الجنة وهو أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده يا أبي مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. وفقك الله لرشدك آمين.