فهرس الكتاب

الصفحة 1385 من 3663

وأجيب: بأنا نسلم أن الشمس والقمر والنجوم آيات للناس، وأن الاعتبار بها والانتفاع بالتفكير في أحوالها وفي جريانها بنظام واجب؛ لنجد في ذلك من الدلائل ما ينير القلوب، ويثبت العقيدة الصحيحة، ويبعث في النفوس الطمأنينة إلى ربها، ونعتبر بما نراه من مشاهد الكون وعجائبه، لكنه سبحانه لم يكلفنا بمعرفة حساب سيرها؛ لنعرف منه مواقيت عباداتنا ومعاملاتنا، وليكون علما على تجديدها؛ رحمة منه تعالى بعباده، فإن حساب سيرها خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، ومع ذلك يكثر فيه الغلط والاضطراب، فأناط الشارع التكاليف بعلامات أخرى؛ كرؤية الهلال، وطلوع الشمس وغروبها، ومغيب الشفق، وانفلاق الفجر ونحوها مما يظهر لعامة الناس ويضبطون به مواقيت عباداتهم، وآجال معاملاتهم ومواعيدهم، وبذلك يعرف عدد السنين والشهور والأيام، لا بحساب سير الكواكب.

أما علم جماعة من الحساب وجود الهلال يقينا على الحال التي ذكر المستدل لبناء علمهم على الحس والمشاهدة - فممنوع؛ لوجود الاختلاف والاضطراب في حسابهم، وهذا مما يدل على غلطهم، وليس علمهم الحساب مبنيا على حس ومشاهدة، إذ المشاهد الذي أحسوه إنما هو أجرام الكواكب، أما تقدير سيرها فمن عمل العقل لا الحس، وكثيرا ما يقع فيه

(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 22)

الخطأ والاضطراب، وعلى ذلك يكون إخبار عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر لا يفيد القطع واليقين بصحة ما أخبروا به؛ لأن من شرط إفادة المتواتر للقطع انتهاءه إلى الحس، وهؤلاء يستندون في خبرهم إلى تقدير سير الكواكب وحسابه، وهو عقلي لا يؤمن وقوع الغلط فيه، كما وقع في أخبار الفلاسفة بقدم العالم. ثم إعراض الشارع عنه دليل على إلغائه وعدم صلاحيته، وأنه لا يفيد ظنا غالبا، بل ينتهي بهم إلى خرص وتخمين في حسابهم وأحكامهم.

وإليكم جملة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (رسالة الهلال) [مجموع الفتاوى] (25/181-186) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت