فهرس الكتاب
الرابع: إن كان ما يدعي من التقاعد عوضا عما اقتطع من الموظف شهريا فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين ، وربما كان التقاعد أشد ؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمقامرة أشد ، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث شرعا ، عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا وإن كان ما يعطى من التقاعد مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عن رعيته ، وراعى في صرفها ما قام به الموظف من خدمة الأمة ، ووضع لها نظاما راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف ، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها ، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين ، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة ؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر مكافأة من حكومات مسئولة عن رعيتها ، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه ، وتعاونا معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره ، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة .
ز- واستدلوا: بقياس نظام التأمين وعقوده على نظام العاقلة ، فإن العاقلة تتحمل شرعا دية قتل الخطأ عن القاتل ، وتخفيفا لأثر المصيبة عن الجاني المخطئ ، وصيانة لدماء ضحايا الخطأ أن تذهب هدرا ؛ لأن القاتل خطأ قد يعجز عن دفع الدية فتضيع ، وشركات التأمين قد وضعت نظاما
(الجزء رقم: 4، الصفحة رقم: 297)
للتعاون على ترميم الأخطار ، وتخفيف المصاب ، وتفريج الكرب وجعلته ملزما عن طريق الإرادة الحرة ، كما جعل الشرع نظام المعاقلة إلزاميا دون تعاقد ، وكما ندب الشرع إلى التعاون في الشدائد ، وحث على إغاثة الملهوف وتفريج كربة المكروب فتوسعت الشركة في الإلزام في التعاون عن طريق التعاقد على ترميم سائر المخاطر ، وقد قال ابن القيم: كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط .