فهرس الكتاب

الصفحة 3086 من 3663

ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات: مثل الثياب التي نسجت نسجا رديئا أنه يجوز تمزيقها وتحريقها؛ ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير مزقه عليه، فقال الزبير: أفزعت الصبي، فقال: لا تكسوهم الحرير. وكذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق، وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر. وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء، كالخبز والطعام الذي لم ينضج، وكالطعام المغشوش، وهو الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك- يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه.

وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع، فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه.

وعمر أتلفه؛ لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في

(الجزء رقم: 6، الصفحة رقم: 417)

المدينة إما قليلا وإما معدومين.

ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه, ففي [المدونة] عن مالك بن أنس: أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبا لصاحبه. وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم , ورأى أن يتصدق به, وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء.

وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية, وقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا. لكن الأول أشهر عنه, وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش, وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه, ونفع المساكين بإعطائهم إياه, ولا يهراق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت