فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 90

تنبؤا، ثم أرسل إليهم. ورسولنا صلى الله عليه وسلم ، أخذ أخذًا، فجذبه (الله إليه) على طريق الاصطفاء. ألا ترى إلى قوله تعالى: {ووجدك ضالًا فهدى} فهل يكون الوجود إلا بعد الطلب؟ فإن الله تعالى طلبه، من بين سائر العباد، بالمنة التي سبقت له في المشيئة. فلما جاء الطلب وجده كما وصف: {ضالًا فهدى} ، أي: مال به، فجذبه، فنبأه.

فكذلك شأن هؤلاء المجذوبين: يجذبهم الله إليه على طريقه. فيتولى اصطفاءهم وتربيتهم حتى يصفي نفوسهم الترابية بأنواره، كما يصفى جوهر المعدن بالنار حتى تزول ترابيته، وتبقى النفس صافية. وتمتد تلك التصفية، حتى إذا بلغوا الغاية من الصفاء أوصلهم إلى أعلى المنازل، وكشف لهم الغطاء عن المحل، وأهدى إليهم عجائب من كلماته وعلومه. وإنما يمتد ذلك، لأن القلوب والنفوس لا تحتمل مرة واحدة كل ذلك. فلا يزال يلطف بهم، حتى يعودهم احتمال تلك الأهوال، التي تستقبلهم من ملكه. فإذا وصلوا إليه احتملوا الوصول والنجوى.

وقد نجد مثال هذا في خلقه. فإن الملك يريد أن يختص بعض رعيته لقيادة أو ولاية فيدعو به. فمن تدبير الملك، أنه إذا ذهب (بالعبد) (إليه) التزم بابه. ثم يمهل (العبد وقتًا ما) حتى يعتاد الباب وقواده، وليطمئن ويهتدي إلى أمور الخدمة. ثم إذا قدم إليه تحول من مجلس إلى مجلس، حتى يسكن روعه ويخشع قلبه. ثم إذا قدم إليه، أمهل ساعات ليطمئن، ثم يكلمه. ولهم تدبير أعمق من هذا، (ما) قصدت لكم وصفه. وإنما علم الملوك هذا التدبير من مالك الملك، إذ آتاهم من ملكه. وهو أحق بالتلطف بعباده.

فالسبب في المدة بعد الجذب، هو الذي ذكرت. ألا ترى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، لما نبئ أجاب فرقًا ووقع كالمغشي عليه؟ فلم تزل النبوة تعمل فيه. ثم أمر بأن يصدع بأمر الله. وقبض يده عن الحرب، حتى هذبه وأدبه، في هذه السنين العشر. وسلط عليه أعداءه بألوان الأذى: من الضرب وسوء الجوار وفنون المكروه. وفي خلال ذلك يقول (له) : {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} ، {فاصفح عنهم وقل سلام} ، {إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} ، {وما أنت عليهم بوكيل} ، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ، {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا} ، إنك لا تهدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت