الصفحة 14 من 106

وقال تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:188) فعن أبي سعيد الخدري: أن رجالًا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلَّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدِم رسول الله اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية .

فهذه الخصال خصال اليهود والمنافقين: وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولًا أو فعلًا وهو في الصورة التي ظهر عليها حسن ، ومقصوده بذلك: التوصل إلى غرض فاسد ، فيحمده على ما أظهر من ذلك الحسن ، ويتوصل هو به إلى غرضه الفاسد الذي هو أبطنه ، ويفرح هو بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن ، فتتم له الفائدة وتُنَفَّذُ له الحيلة بهذا الخداع .

ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولابد ، فهو متوعد بالعذاب الأليم.

ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذمَّ رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه إما محبة لإيذائه ، أو لعداوته ، أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة ، أو غير ذلك من الأسباب المذمومة ، فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه ، بسبب ديني مثل: أن يكون قد ردَّ قولًا ضعيفًا من أقوال عالم مشهور ، فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم ، أن فلانًا يُبغِضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعن عليه فيغرُّ بذلك كل من يعظِّمه ، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين:

... أحدهما: أن يحمل ردُّ العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى ، وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين ، وإظهار ما لا له كتمانه من العلم .

... والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت