أولًا: نجد كثيرًا من الناس يخافون من النصح؛ لأنهم يعدّون النصح نوعًا من التنقص، والبحث عن العيوب، وأنه لا يصدر إلا من حاسد، أو حاقد، وهذا المفهوم يجب تغييره، وأن يفهم الناس أن الذي ينصحك هو من يحبك؛ لأن صديقك من صدَقك لا من صدَّقك.
ثانيًا: ومنهم من يخاف من النصح لأن بيته من زجاج، فهو يحارب النصح ، تجنبًا للفضيحة، وسترًا على الهفوات والجرائم التي ارتكبها، سواء أكان هذا النصح في ذاته أو في جرائمه ؛ لأنه يعرف أن بناءه من زجاج، وأنه عرضة للفضيحة في أي وقت، ولذلك يعدّ النصح قضاء على مصالحه .
فهو إن كان حاكمًا عدّ النصح تشكيكًا للشعوب في جدارته وصلاحيته، وإن كان عالمًا عدّ النصح تشكيكًا للطلاب في علمه وفضله، وإن كان داعية عدّ النصح تشكيكًا للأتباع والمريدين في جدارته وصلاحيته وهكذا.
أما النبلاء والفضلاء و العلماء فلم يزالوا يستدلون على جدارة الشخص وعظمته ورجولته وكماله، بقدرته على الاعتراف بالخطأ والنقص، وقدرته أيضًا على التراجع عن ذلك بكل أريحية وسرور نفس وبدون أية حساسية، كما يستدلون على سفاهة إنسان بإصراره على الخطأ، ورفضه الاعتراف به.
إن آدم وحواء عليهما السلام، وقعا في الخطأ وأكلا من الشجرة، لكن بعد الخطأ: (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23] ، ولذلك استحقا الرحمة، فرحمهما الله عز وجل وجعل مآلهما إلى الجنة، وفي مقابل ذلك فإن إبليس عصى الله تعالى ورفض السجود لآدم و (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف:12] ، فأصابه الكبرياء والغرور؛ ولذلك رفض السجود، فعاقبه الله عز وجل بقوله: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ.وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) [الحجر: 34،35] .