الصفحة 187 من 398

قوله تعالى {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} (الكهف: من الآية71) ، الاستفهام في الإنكار الواقع في المثبت. وتكون الجملة التالية للاستفهام والمقوية للإنكار استئنافًا وهذه من مؤكدات الإنكار، ففي {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} (الكهف: من الآية71) ، تأكيد لإنكار خرق السفينة [1] .

قوله تعالى {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} (الكهف: من الآية74) ، إنكار الواقع في الإيجاب، وذلك إذا كانت الأفعال المنكرة واقعة يراد تقبيحها والتعجيب منها وتوبيخ فاعلها وبيان إنه ما كان ينبغي أن تقع. فقتل النفس واقع من المخاطب [2] . والآية كسابقتها إذ تأكد الإنكار بقوله {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} (الكهف: من الآية74) .

قوله تعالى {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا} (الكهف: من الآية102) ، للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه، والفاء للعطف على مقدر تفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ إلى المعطوفين جميعًا. والمعنى أكفروا بي؟ مع جلاله شأني فحسبوا، و أدخلت همزة الإنكار ذمًا على ذم وقطعا لها عن المعطوف عليه لفظًا لا معنى، للإيذان بالإستقلال المؤكد للذم، كأنه قيل: لا يزيلون حسابهم من مرض الغشاوة و الصم، فالاستفهام الإنكاري عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل مثله [3] . ومثله قوله تعالى {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} (البقرة: من الآية75) ، فقوله تعالى هنا على وجه الاستفهام الإنكاري المتقرر بطلانه في العقول.

ومن المسائل المهمة ضمن هذه الشواهد تقدم حرف الاستفهام على حرف العطف، وهذا الأمر قد اختلف فيه النحويون، والشاهد قوله تعالى {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (الكهف: من الآية102) ، وقوله {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ} (الكهف: من الآية50) ، فحرف العطف في الآيتين هو الفاء، وقد تقدمه همزة والاستفهام. وفي ذلك وجهان: أحدهما أن الفاء والواو كلتيهما عاطفًا بما بعديهما على محذوف دل عليه المقام كقوله تعالى أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ

(1) ينظر: أساليب الاستفهام 209.

(2) المصدر نفسه 195.

(3) ينظر: روح المعاني 16/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت