الصفحة 23 من 398

القرآن الكريم إذ تأتي كلمة بالتذكير مسندة إلى شيء مؤنث، ولابد من التأويل إلى معنى يبين سبب هذا الالتفات من التأنيث. والحقيقة أن النحويين قد تعرضوا لهذه المسألة، وأولهم سيبويه الذي قال:"وهي من باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر وأصله التأنيث، فإذا جئت بالأسماء التي تبين بها العدة أجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تسع عشر وذلك قولك: له ثلاث أشياه ذكور وله ثلاث من الشاة، فأجريت ذلك على الأصل، لأن الشاة أصله التأنيث، وإنْ وقعت على المذكر كما أنك تقول: هذه غنم ذكور فالغنم مؤنثة وقد تقع على المذكر، وقال الخليل (ت175هـ) : قولك هذه شاة بمنزلة قوله تعالى"هذا رحمة من ربكِ" [1] . و (رحمة) اسم مؤنث، و"كما كان التأنيث فرعًا للتذكير احتاج إلى علامة، وهي إما تاء محركة وتختص بالأسماء كتائه أو تاء ساكنة وتختص بالأفعال كقامت" [2] . والتاء في رحمة يسمى هاء التأنيث عند الكوفيين في حالة الوقف، فزعموا أنها الأصل وأن التاء في الوصل بدل عنها، وعكس ذلك البصريون والتحقيق أن لاتعد، ولو قلنا بقول الكوفيين لأنها جزء من كلمة وليست كلمة. [3] ويبدو أن الرحمة، كما يرى بعض النحويين مؤنث بعلامة وقد جاء فيها التذكير والتأنيث فحملوا ذلك مرة على اللفظ فأنثوا مرة على المعنى فذكروا،"إذ الوعظ والموعظة واحد، والرحمة والغفران واحد، وباب الحمل على المعنى واسع" [4] ."

وقرأ ابن أبى عبلة"هذه رحمة من ربي". [5] وهي قراءة محمولة على اللفظ.

ومن ذلك قوله تعالى {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّم} (الكهف: من الآية106) إحتملت هذه الآية أوجهًا إعرابيةً كثيرةً لدى النحويين والمفسرين، فذكر أبو البقاء (ت 616 هـ) والطبرسي أن قوله: (ذلك) أي: الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر [6] .فجعلا ذلك خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وجملة (جزاؤهم جهنم) جملة برأسها. وقدر ابن الجوزي واوًا محذوفة بين الجملتين عدَّها واو الحال، ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ وجزاؤهم مبتدأ ثان وجهنم خبره والجملة خبر الأول والعائد محذوف أي جزاؤهم به، فالهاء في به يعود على ذلك وذلك

(1) الكتاب 2/ 173.

(2) أوضح المسالك 23.

(3) ينظر: مغني اللبيب 2/ 27.

(4) شرح اللمع لجامع العلوم 1/ 223.

(5) البحر المحيط 6/ 165.

(6) ينظر: التبيان في إعراب القرآن 2/ 863، وينظر مجمع البيان 5/ 497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت