الصفحة 254 من 398

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم اطلب قليل من المال [1]

فاعمل الفعل الأول ولو أعمل الثاني لنصب قليلًا وذلك لم يروه أحد، وأورد شواهد أخرى.

أما حجتهم بالقياس فمنها أن الفعل الأول سابق الفعل الثاني وهو صالح للعمل كالفعل الثاني إلا أنه لما كان مبدوءًا به كان أعماله أولى لقوة الابتداء والعناية به. ويؤيد ذلك انك إذا عملت الثاني أدت إلى الإضمار قبل الذكر، والإضمار قبل الذكر لا يجوز في كلامهم.

وحجة البصريين نقلا بقوله تعالى {فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ)} الحاقة: من الآية19)، فأعمل الثاني وهو اقرأوا ولو اعمل الأول لقال اقرؤوه، وجاء في الحديث (ونخلع ونترك من يفجرك) [2] ،فاعمل الثاني ولو اعمل الأول لأظهر الضمير بدأ، وشواهد أخرى.

وأما القياس فهو أن الفعل الثاني اقرب إلى الاسم من الفعل الأول، وليس في إعماله دون الأول نقض معنى، فكان أعماله أولى، والذي يدل على أن للقرب اثر انه قد حملهم القرب والجوار حتى قالوا (هذا جحر ضب خرب) [3] ، فاجروا خرب على ضب وهو في الحقيقة صفة للحجر، لأن الضب لا يوصف بالخراب فهاهنا أولى.

ويبدو إن نصب (قطرا) ب (إفراغ) على رأي البصريين هو الأولى بالصواب، فليس فيه اضطرابا في الضوابط النحوية التي نص عليها البصريون، وهو بعيد عن التكلف والتعقيد في التأويل، بعكس مذهب الكوفيين. ويقرر ابن جني هذه الحقيقة فذكر أن"اكتفاءك بأعمال الثاني الأقرب أولى من اكتفائك بأعمال الأول الأبعد، وليس لك في هذا مالك في الفاعل، لأنك تقول: لا اضمر على غير تقدم ذكر إلا مستكرها فتعمل الأول فتقول: قام وقعدا أخواك. فأما المفعول فمنه بد، فلا ينفي أن نتباعد بالعمل فيه ونترك ما هو اقرب إلى المعمول فيه منه" [4] . وكذلك يرى ابن وضاء أن مذهب البصريين أظهر، لأنه أسهل لكثرة الضمائر إذا أعملنا الأول ثم تأخير المتعلقات بالأول بعد الثاني، أي: الفصل

(1) البيت لامرء القيس، ديوانه 39 وقيل لرجل من بني أسد، ينظر: الشاهد في الكتاب ¼، الخصائص 2/ 387، شرح المصل 1/ 28، الاشباه والنظائر 5/ 274

(2) ينظر: سنن البيهقي الكبرى - باب دعاء القنوت الحديث 2962، 2/ 210.

(3) ينظر: الشاهد في الكتاب 1/ 436، المقتضب 4/ 73، معاني الفراء 2/ 74، الخصائص 1/ 191.

(4) الخصائص 2/ 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت