الصفحة 263 من 398

أما د. محمد حماسة فالتضمين عنده راجع إلى الالفاظ، والدليل على ذلك أن البلغاء والفصحاء على مستوى الاستعمال- كما يرشد نموذج منهم وهو سهل بن هارون- يأبون هذه النيابة ولا يجرون كلامهم مجراها، والدليل أيضا أن الشواهد التي استدل المجوزون بها على نيابة بعض حروف الجر من بعض قابلة للتأويل تأويلًا كما يقول الكوفيون ولا بالتضمين كما يقول البصريون، غير أن البصريين وقفوا على أطراف من الحل لا على جميع أطرافه [1] .

والأنسب من هذه الآراء ما ذكره ابن جني من أن الحرف يكون بمعناه في موضع غير موضع على حسب الأحوال الداعية إليه والمسوغة له، فأما في لكل موضع وعلى كل حال فلا [2] . لأنه يبقى كما هو في موضعه في الآية ولا يجوز تغييره أو تقدير سواه فيتحقق المقصود، وهو التقدير الذي يراد به متابعة الباحث للقران لا جر القرآن وراء مقاصد الباحث.

ومما ورد من هذا التضمين في سورة الكهف. قوله تعالى {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} (الكهف: من الآية86) ، وتعد هذه الآية موضع جدل بين المفسرين من علماء المسلمين وبين الملاحده والزنادقة الذين يتقولون على القرآن الكريم ما ليس فيه، ويتأتى هذا الجدل من أن الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض كما هو ظاهر الآية. وقد تصدى الرازي لدعواهم، ومن جمله ما ذكره أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهي مظلمة، وان لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر والحقيقة أنها تغيب وراء البحر، وكذلك الحال بالنسبة إلى الجانب الغربي من الأرض ومساكنها التي تحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيل إليه كأنها تغيب في تلك البحار [3] . وتصدى النحويون أيضا لدعاوى أعداء القرآن، قال أبو حيان:"زعم بعض البغداديين أن في بمعنى عند ...." [4] ،والتقدير تغرب عند عين حمئه. ويقرر هذه الحقيقة من المحدثين الأستاذ عبد العال سالم إذ ذكر أن في هنا ليست ظريفة،

(1) ينظر: تناوب الحروف 72.

(2) ينظر: الخصائص 2/ 306.

(3) ينظر: تفسير الرازي 21/ 167 - 168.

(4) البحر المحيط 6/ 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت