الصفحة 30 من 398

تشعبت آراء النحويين، البصريين والكوفيين، في أصل ضمائر الغائب، فذهب البصريون إلى أن هو وهي أصلان، وزيدت الميم والألف والنون في المثنى والجمع، وذهب الكوفيون إلى أن أصل الضمير في (هو وهي) الهاء فقط، والواو والياء زائدتان كالبواقي لحذفها في المثنى والجمع ومن المفرد في لغة. [1]

والظاهر أن أغلب النحويين، قدامى ومحدثين يوافقون الكوفيين في أصل ضمائر الغائب. فالسيوطي (ت911هـ) يختاره ويحتج لذلك بما أورده من أبيات للعرب تدل على ما ذهب إليه، [2] ولا يمنع صاحب الجمل في النحو قبول رأي الكوفيين، لأن غلبة الهاء في ضمائر الرفع المتصلة في معظم الساميات دليل على صحة ما ذهبوا إليه، وبنحوه أشار برجستراسر من المحدثين على ما ذكره صاحب الجمل، فذكر أن حرف الهاء يمثل عنصرًا أساسيًا وركيزةً مشتركةً لضمائر الرفع المنفصلة للغائب في اللغة العربية وهذه الضمائر (هي، هو، هما، هم، هن) وليس ذلك مقصورًا على العربية فحسب بل يتعدى العربية إلى بعض أخواتها من الساميات. [3] واستحسن الدكتور مهدي المخزومي هذا الرأي في كتابه مدرسة الكوفة. [4] وتبعه الدكتور أحمد سليمان ياقوت في إثبات ذلك. [5]

ويطالعنا عدنان محمد سلمان برأيه الموافق لمذهب البصريين، فذكر أن ما استدل به الكوفيون في البيت وأمثاله إنما جاء على التخفيف، لأن العرب قد تحذف الأصول في اختيار الكلام لغرض التخفيف [6] . ويطمئن الباحث لمذهب البصريين لثلاثة أوجه: أحدها أن النظر إلى اللغات ومطابقتها بما جاء في العربية يجب أن يتم على وفق ضوابط ودلائل محددة لتكون أكثر دقة ولتبيين جليًا للدارسين والباحثين، وأن ما ذكر هنا شيء يشوبه الغموض فلا يمكن عّده حجةً لترسيخ قاعدة من قواعد النحو فهو مبني على أمر افتراضي، والثاني أن المتتبع للأبيات الشعرية التي أوردها الكوفيون ومن دار في فلكهم يجد استحالة إثبات الياء فيها، لأن ذلك يخل بوزن البيت، وعليه فمجيء الهاء منفردة إنما

(1) ينظر: الإنصاف 2/ 268.

(2) ينظر: همع الهوامع 1/ 60 - 61.

(3) ينظر: التطور النحوي 52.

(4) ينظر: مدرسة الكوفة 229.

(5) ينظر: الهاء في اللغة العربية 37.

(6) ينظر: السيوطي النحوي 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت