الصفحة 319 من 398

بمحذوف على انه حال منها، والعامل الاستقرار في الله عند من يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي [1] .

والمقرر عند النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل من غير حروفه، كأسماء الإشارة وحروف التمني والتشبيه والظرف والجار والمجرور، فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في مثل هذه، وقد قدر تقديمها على عاملها الظرف والجار والمجرور وأجازه الأخفش قياسًا [2] .

ومن مسائل التقديم والتأخير في سياق الآية، ما ذكره غير واحد من النحويين والمفسرين في قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} (الكهف:1) ، إن في بداية هذه السورة تقديم وتأخير، أي: أنزل الله الكتاب قيما ولم يجعل له عوجًا [3] . كأنه قال احمدوا الله على إنزال القرآن قيما لا عوج فيه، ومن عادة البلغاء أن يقدموا الأهم، قال: الكرماني إذا جعلت (قيما) حالًا وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير [4] . وانكر الرازي أن يكون في الآية تقديم وتأخير، لأن قوله (ولم يجعل له عوجًا) يدل على كونه في ذاته، وقوله (قيما) على كونه مكملًا لغيره، وكونه كاملًا في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملًا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله (ولم يجعل له عوجًا قيمًا) ، وان ما ذكره من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه [5] . وجوز السمين كون (قيما) حالًا ثانية، والجملة المنفية قبله حال أيضًا، وتعدد الحال لذي حال واحد جائز، والتقدير: غير عاجل له عوجًا قيما [6] . ومجازه يدل على انتفاء أن يكون في الآية تقديم وتأخير وإنما هي على حالها، وهو ما يطمئن إليه الباحث، لأن دعوى التقديم والتأخير مردودة بالدليل العقلي والنقلي.

الثاني- تقديم اللفظ على غير عامله: ويرد لعلة يذكرها النحويون وأصحاب البيان تدل على عظمة التعبير القرآني في استعمال الكلمة في سياقها، ويلتمس الباحث هذه المسألة في المواضع الآتية:

(1) الدر المصون 4/ 460.

(2) ينظر: المفصل 93، شرح ابن عقيل 1/ 649 - 650.

(3) ينظر: معاني الكسائي 184، معاني الفراء 2/ 133. معاني الزجاج 3/ 267. جامع البيان 15/ 126.

(4) البحر المحيط 6/ 95.

(5) تفسير الرازي 21/ 77.

(6) الدر المصون 4/ 431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت