{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ والذيِنَ فيِ قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ فيِ المَديِنَةِ} جاء في تفسير السعدي في تفسير هذه الآية: أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المحدثون (2) بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين.
ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء."تفسير السعدي1/ 671"
وكذلك جاء في تفسير الطبري:"عن قتادة قوله (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ... ) الآية، الإرجاف: الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق، وكانوا يقولون: أتاكم عدد وعدة. وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله بهذه الآية قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... ) الآية، فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه. تفسير الطبري 20/ 327"
فهم يثيرون الشكوك والقلائل، ويتحدثون بقوة العدو وكثرة عدده وعدته، ويقولون قد جاء العدو، ولا طاقة للامة في مواجهته، ويقولون لم ياخذ برأينا، وانما برأي الشباب والصغار اللذين لا علم لهم بالحرب يقول تبارك وتعالى:
{يقولون لو كان لنا من الأمر شيء} جاء في تفسير السعدي في تفسير هذه الآية: أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة {ما قتلنا هاهنا} وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} التي هي أبعد شيء عن مظان القتل {لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة. ... ا. هـ السعدي 1/ 153
وبقول سيد قطب في تفسير هذه الآية:"وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة وحينما تعاني آلام الهزيمة! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ; وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ; وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحًا ولا مستقرًا ; وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي القى بها في هذه المهلكة وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث ولا حكمته في الابتلاء. إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة! وضياع في ضياع!"
هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله. لأمر الحياة والموت. ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء:
{قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} .في الظلال القرآن 1/ 472
والمشكلة يوم يلبس هؤلاء المنافقون ارجافهم بثوب العلم، وجبنهم بثوب الحكمة، ولذلك يقولون لا جهاد اليوم، ومن رفع السلاح فهو يورد الامة المهالك فهم لا يجاهدون ثم يقولون: {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ} ، فهذه الحرب ليست جهادا،