لاننا لم نستشر وما دام نحن العلماء والعقلاء - ونحن فقط - ولم نستشر ولم يأخذ براينا، ورأي الحرب هو رأي الشباب، ولذلك لا مصلحة وراء هذا الجهاد، مهما حقق من انتصارات فسوف ترون ان هؤلاء اللذين يدعون الجهاد سيهزمون فاذا هزم المجاهدون يقولون: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} . الم نقل ان هذا ليس بجهاد، ولا مصلحة ورائه. ويقولون: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} .
يقول سيد -رحمه الله-: {الذين قالوا لإخوانهم - وقعدوا - لو أطاعونا ما قتلوا} . .
فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس وبخاصة أن عبد الله بن أبي كان ما يزال سيدًا في قومه ولم يكشف لهم نفاقه بعد ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم. بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة وهم يقولون:
{لو أطاعونا ما قتلوا} . .
فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة ويجعلون من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتباعه مغرمًا ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله ولحتمية الأجل ولحقيقة الموت والحياة وتعلقهما بقدر الله وحده. . ومن ثم يبادرهم بالرد الحاسم الناصع الذي يرد كيدهم من ناحية ويصحح التصور الإسلامي ويجلو عنه الغبش من ناحية:
{قل: فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} . .
فالموت يصيب المجاهد والقاعد والشجاع والجبان. ولا يرده حرص ولا حذر. ولا يؤجله جبن ولا قعود. . والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء. 1/ 496.
انظر كلام السيد -رحمه الله-"وبخاصة أن عبد الله بن أبي كان ما يزال سيدًا في قومه ولم يكشف لهم نفاقه بعد"، ما ذا يكون يا سيد اذا كان هؤلاء المرجفون ممن يلبسون ثوب العلم والصلاح، ويظنه عامة الناس علماء ودعاة،، مثل العبيكان والسديس وامثالهم في الصومال شبيلي وأمل، ماذا يمكن ان يثيروا من الزلزلة والشك والهزيمة في النفوس.
وقد حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم - هؤلاء اللذين يلبسون ثوب العلم ثم يثبطون عن الجهاد فيقول الرسول متعجبا منهم.
(لا يزال الجهاد حلوا أخضر ما قطر القطر من السماء , وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراء منهم ليس هذا زمان جهاد , فمن أدرك ذلك الزمان فنعم زمان الجهاد , قالوا: يا رسول الله وأحد يقول ذلك فقال نعم: من عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) . رواه ابن حماد في كتابه: (السنن الواردة في الفتن - 371) :. [1]
(1) الحديث فيه ارسال، كما ان عبد الرحمن بن زيد ضعيف وبقية رجاله ثقاة، كما ان هناك احاديث قريبة من هذا المعنى ومنها ما أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، والطبري في (تهذيب الآثار) عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي هانيء عن شفيّ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (يأتي على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم، ما آتاهم الله من رزق جعلوه في الحيوان، يعدون الصدقة مغرمًا، والجهاد ضرارا) .
وسنده صحيح، وقد ورد مرفوعا عند أبي يعلى في مسنده، والطبراني في الكبير، والموقوف أصح، والموقوف له حكم الرفع؛ لأنه لا يشبه كلام أهل الكتاب.
قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة: (وأما إيقاف سعيد إياه؛ فلا يضر؛ لأنه في حكم المرفوع؛ كما لا يخفى، وهو من أعلام صدقه ونبوته صلى الله عليه وسلم؛ فإن ما فيه من الغيب قد تحقق في هذا الزمان. والله المستعان) أهـ.
قلت: صدق الشيخ الألباني؛ فبلاعمة هذا العصر بل وكثير من الناس يروون أن الجهاد يعود بالضرر عليهم، مع أن الجهاد تصان به الأعراض، وتحفظ به البلاد، وتحيى به الأنفس حياة عزيزة، ولا نجد أبلغ في الرد عليهم من قوله تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 87 - 89] .
هذا؛ وبالله تعالى التوفيق. شيخ أبي الوليد المقدسي ... منقول من منبر التوحيد والجهاد