وقال الخفاجي (1) : كامل أخلاقه، توأم نسيم السحر، وعيون آثاره منازل عيون النوارغب المطر، فهي في مذاق النهى ألذّ من الأمل وأحلى من الحياة المقتنصة من يد الأجل، وأشعاره بالألسنة الثلاثة في وجوه الطروس تفضح اللمى والحور، وتجذب بأيادي لطفها عنان الفؤاد والبصر، تشابهت معانيه الدقيقة بكاسات كلماته الرقيقة، فسر الدهر ذكره وعطر برد الوجود نشره:
ذكراه أخرج فدية من أحرما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة
أدار في الروم من الأدب كأس حمياه، ونشر بأرجائها أرج أنفاسه حتى تعطرت برياه ببراعة يصف لسان يراعها نفثات السحر، وفضائل ارخصت صنائعها بضائع الشجر، وعلو قدر يعمم هامة الراسيات وسوابق عزم تقف دون مداه أصناف الصافنات، تشرف قضاء العسكرين بمحكم أحكامه، ونشرت على أعلام تلك الأقطار خافقات أعلامه، وله رحلة لمصر ألبس فيها أعطاف مجده برودا، ونظم بها من الشعر العربي في جيد الدهر عقودًا.
فمما صدحت به حمائم فصاحته على قضب البراع، وتلت ألسن براعته ما ثنى إليه أعنة الأبصار والأسماع قوله:
عليها نقطة من مسك خالك
أرى في صدغك المعوج دالًا
فها أناها ئم من أجل ذلك
فصارت داله بالنقط ذالًا
وله أيضًا:
أسرى بمبسمه الشهيّ وثغره
أسروه من ثغر العدو فأصبحوا
فهو الذي ملك الفؤاد بأسره
أسروه كي يسمّى أمير جمالة
وله أيضا:
في عارض بخيال وجهك فارضي
قالوا تبدى وجه من أحببته
دع عنك دمعًا مثل بحر فائض
شمس الجمال تسترت في عارض
ذاتية ليست تزول بعارض
فأجبتهم يا قوم إن محبتي
وله أيضًا:
لما رأى في حواشي خدّه لاما
ولائم لام في حبي لذي غنج
تبين علة من في حبه لاما
فقلت ذي لام تعليل بوجنته
وله أيضًا:
فقال أمن كأس الصبابة تغتبق
وافى وأنفاسي تصعد من جوى
فقلت أجل إن القلوب لتحترق
وهل تحت رقّ الحبّ قلبك في لظى
وله أيضًا:
(1) في (( ريحانة الألبا ) ) (ص319-321) .