.. وهو سياق يظهر منَّة الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه عز وجل في الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن في عصمته غير مراد، وإنما هو في حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به صلى الله عليه وسلم. وتأمل معى قوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك الذى أنقض ظهرك} إنها آية كريمة وردت بين منتين:
الأولى: شرح الصدر في قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} (1) شرحًا حسيًا ومعنويًا، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعًا، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات (2) .
والثانية: رفع ذكره في قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} (3) رفعًا بلغت قمته في الشهادة التى لا يكون الشخص مسلمًا إلا إذا نطق بها، فضلًا عن قرن اسمه صلى الله عليه وسلم باسمه عز وجل في الآذان، والإقامة، والتشهد في الصلاة، وفى خطب الجمعة، والعيدين، وفى خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم عبادة على المسلمين (4) .
... وتأمل معى أيضًا ما استدلوا به من قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} إن سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها تجدها لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبى صلى الله عليه وسلم، من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه أريد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية: أما الأخروية فشيئان:
سلبية وهى غفران الذنوب، وإن لم يكن للمخاطب صلى الله عليه وسلم ذنب، ولو لم يذكر غفرانها لكان في ذلك ترك استيعاب جميع أنواع النعم.
(1) الآية الأولى الشرح.
(2) يراجع: روايات شق صدره الشريف، ودلالات ذلك على عصمته وكمال عقله وخلقه ومكانته عند ربه عز وجل ص64 - 68.
(3) الآية 4 الشرح.
(4) ينظر: شرح الزرقانى على المواهب 8/309 - 313، والشفا 1/19، 20.