من هنا يتبين أن النهضة تتقوم باكتشاف الذات وتحقيق الهوية أولا وقبل كل شيء ، لكي تتحدد المعالم المميزة لشخصية الأمة ، فتتلقى ما ينسجم وبنيتها الخاصة ، فيما تلفظ وتطرد كل ما من شأنه أن يفتت هذه البنية ويزعزع أركانها .
إن ما تنفرد به الأمة وتفتخر به كإرث حضاري تتفوق به على أمم أخرى ، هو تلك العناصر الحية الفاعلة الممتدة زمانيا ، من ما أنجزته من تراث ، في مراحلها التاريخية المختلفة ، وليس ما أنجز لحاجات زمنية خاصة ، وأفرزته دواع تاريخية معينة ، ولم يقو على الامتداد الزمني والحياة في عصور أخرى ، فما ولد في أروقة قصور السلاطين من أدب مبتذل منحل ، وما كتب في أفياء البلاط من فقه سلطاني يمجد الظلم وينفي الحق ، لا يعبر عن هوية الأمة ، ولا يعكس حقيقة شخصيتها .
وربما يتوهم البعض فيحسب أن هذا الكلام يعني الانغلاق والتقوقع على الذات ، وعدم الاستفادة من معطيات وتجارب الأمم الأخرى ، خصوصا في هذا العصر ، الذي خطا فيه الإنسان الغربي خطوات كبيرة ، بل حقق قفزات نوعية في التقنية ، واكتشاف قوانين الطبيعة ، ولم يعد بإمكان أي مجتمع أن يستغني عن هذه المكتشفات ، ويعيش لوحده .
إن ما نعنيه هو أن أية نهضة نريدها للأمة المسلمة ، لا يمكن أن تتحقق من خلال تراث غير تراثها ، فلا بد أن تنتظم الأمة في داخل تراثها الخاص ، ومن ثم تسعى لإغناء مسيرتها ، باستيعاب ما هو إنجاز إنساني عام ، من معطيات العلوم والمكتشفات الطبيعية للأمم الأخرى ، لأن العلم إرث إنساني عام لا يخص أمة دون أخرى ، ولا يملكه مجتمع ملكية خاصة ، فالعلم لا يرتبط بشعب معين ، ولا يعبر عن مرحلة تاريخية خاصة ، ولعل مراجعة سريعة لتاريخ العلم ، ترينا كيف أن البشرية بمجموعها كان لكل شعب فيها مساهماته الكبيرة في تطوير حركة العلوم والاكتشافات .