الصفحة 3 من 127

تأسيسا على ما سبق يتضح أن أية نهضة لا تتحقق إلا باحتضان الأمة لتراثها واكتشافها لذاتها ، ومحاولة التواصل مع الآخر ، واستيعاب ما هو إنجاز بشري عام ، لم تأطر بإطار قومي أو إقليمي خاص .

أما كيف يتاح للأمة أن تكتشف ذاتها وتحتضن تراثها ؟

فإن ذلك لن يتم إلا بأن تتعامل الأمة بشكل مباشر مع تراثها ، عبر إحياء هذا التراث ، ونفض الغبار الذي تراكم عليه سنوات مديدة ، ولا بد أن تتجنب أية محاولة للعبور إلى التراث بواسطة أطراف وأدوات أخرى غريبة عنه ، كما ربما يحاول البعض من المنبهرين بالغرب ، بتعاطي مقولات ونظريات التراث في ضوء أدوات غريبة عنه .

لقد تخلت أوروبا منذ عصر النهضة عن التعامل مع أرسطو من خلال ابن رشد ، وانفتحت على تراثها اليوناني القديم مباشرة ، وسعت سعيا حثيثا لاكتشاف الأصول اليونانية لكل ما لم يصلها مباشرة من التراث اليوناني ، أي ما وصلها بواسطة المسلمين ، وتلقت هذا التراث من دون وسيط ، وتخلت عن ابن رشد وغيره من المفكرين المسلمين كوسطاء في تلقي تراثها .

إن علامة ابن رشد الأمة ، وتوازن حركتها التاريخية ، هو قدرتها على قراءة تراثها ، واكتشافه ، واستنطاقه ، واستلهام منابع القوة والفعالية فيه ، بشكل مباشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت