ويتفرع على ما سبق أن هذه الدار الكافرة حرب لله ولرسوله وللمؤمنين وكل من فيها من الكفرة فهو حلال الدم والمال سواء كان من المقاتلين أولا بخلاف النساء والأطفال فلا يجوز قتلهم وسيأتي تفصيل ذلك. وليس معنى عدم جواز قتلهم أن عهدهم لم ينتقض بل هو منتقض أيضا لذلك يجوز سبيهم واسترقاقهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع بني قريضة حين نقضوا عهده ولو لم ينتقض عهدهم لما جاز ذلك، وقد نص العلماء على أن دار الحرب ليس لأحد فيها حرمة إطلاقًا ومن ذلك قالوا: لو هرب أسير مسلم من دار الحرب وسرق من نسائهم وأولادهم فإنهم يكونون أرقاء عنده بالسبي ولا كرامة، قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله في المحلى (وجائز قتل كل من عدا من ذكرنا من المشركين من مقاتل أو غير مقاتل أو تاجر أو أجير - وهو العسيف - أو شيخ كبير كان ذا رأي أو لم يكن أو فلاح أو أسقف أو قسيس أو راهب أو أعمى أو مقعد لا تُحاشِ أحدًا وجائز استبقائهم أيضًا قال تعالى(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فعمَّ عزَّ وجلَّ كل مشرك بالقتل إلا أن يسلم) وقال (بل نقتل كل من يدعى إلى الإسلام منهم حتى يؤمن أو يؤدي الجزية وروينا من طريق وكيع نا سفيان نا عبد الملك بن عمير القرظي نا عطية القرظي قال:(عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله فكنت فيمن لم ينبت) فهذا عموم من النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبق منهم عسيفًا ولا تاجرًا ولا فلاحًا ولا شيخًا كبيرًا، ومن طريق ابن أبي شيبة عن ابن نمير نا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى الأجناد لا تقتلوا امرأة ولا صبيًا وأن يقتلوا كل من جرت عليه المواسي) فهذا عمر رضي الله عنه لم يستثن شيخًا ولا راهبًا ولا عسيفًا ولا أحدًا إلا النساء والصبيان فقط ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه وقد قُتِلَ دُرَيد بن الصُمَّة وهو شيخ هَرِم قد أهتر عقله فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فإن قالوا لأنه كان ذا رأي قلنا ومن ذا الذي قسم لكم ذا الرأي من غيره فلا سمعًا ولا طاعة ومثل هذه التقاسيم لا تؤخذ إلا من القرآن أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالله تعالى نتأيَّد) أ. ه (7/ 297 - 298) وأهل العهد إذا نقض واحد منهم العهد انتقض عهدهم جميعا وصاروا جميعا حربًا للمسلمين بخلاف أهل الذمة.
قال الشافعي رحمه الله: (وكذلك إن نقض رجل منهم فقاتل كان للإمام قتال جماعتهم كما كان يقاتلهم قبل الهدنة وقد أعان على خزاعة وهم في عقد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من قريش فشهدوا قتالهم وترك الباقون معونة خزاعة فغزا النبي صلى الله عليه وسلم قريشا عام الفتح بغدر النفر الثلاثة) . الأم (4\ 186) .
وإذا كانت هذه دار حرب فلا شبهة في قتل أهلها ولا يقال حصل فيما حصل قتل للأبرياء كما يهذي به من يهذي بل نقول: (ذلك بأنهم شاقُّوا الله ورسوله ومن يشاققِ الله ورسوله فإن الله شديد العقاب. ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار) . ونقول: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) .
فإن قلتم وإن لم يكن هناك صلح فنحن نمتنع عن القتال للضعف الذي بالمسلمين فنقول: امتناعنا في هذه الحالة لا يعني أن هذه الدار دار سِلم بل هي حرب لأنه ليس هناك صلح وهدنة وعليه فإن حصل هجوم من بعض المجاهدين عليها فلا نقول إنه لا يجوز محاربتها لأن هذا نقض للعهد.
فإن قلتم هذا الهجوم يؤدي إلى الويلات على أمة الإسلام فهذا ما ناقشته في الشبهة الأخيرة.