فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 138

وهذا الأنصاريَّ منْ بيتٍ شريفٍ وأسرةٍ موقرةٍ ، فانطلق جليبيبٌ إلى هذا الأنصاريِّ وطرق عليه الباب وأخبره بما أمره به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال الأنصاريُّ: على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلامُ ، وكيف أُزوِّجك بنتي يا جليبيبُ ولا مالٌ ولا جاهٌ ؟ وتسمعُ زوجتُه الخَبَرَ فتعجبُ وتتساءلُ: جليبيبٌ ! لا مالٌ ولا جاهٌ ؟ فتسمُع البنتُ المؤمنةُ كلام جليبيبٍ ورسالة الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فتقول لأبويها: أترُدَّانِ طلب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لا والذي نفسي بيدِهِ .

وحصل الزواج المبارك والذُّرِّيَّةُ المباركةُ والبيتُ العامرُ ، المؤسَّسُ على تقوى من اللهِ ورضوانٍ ، ونادى منادي الجهادِ ، وحضر جليبيبُ المعركة ، وقتل بيده سبعةً من الكفارِ ، ثم قُتل في سبيلِ اللهِ ، وتوسد الثرى راضيًا عنْ ربِّه وعنْ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وعنْ مبدئِه الذي مات منْ أجلِهِ ، ويتفقَّدُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - القتلى ، فيُخبرُه الناسُ بأسمائِهم ، وينسون جليبيبًا في غمرةِ الحديث ، لأنهُ ليس لامعًا ولا مشهورًا ، ولكنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكُرُ جليبيبًا ولا ينساهُ ، ويحفظُ اسمه في الزحامِ ولا يُغفله ، ويقولُ: (( لكنَّني أفقِدُ جليبيبًا ) ).

ويجده وقد تدثَّر بالتراب ، فينفضُ التراب عن وجهه ويقولُ له: (( قَتَلْتَ سبعة ثم قُتِلْت ؟ أنت مني وأنا منك ، أنت مني وأنا منك ، أنت مني وأنا منك ) ). ويكفي هذا الوسام النبويُّ جليبيبًا عطاءً ومكافأةً وجائزةً .

إنَّ ثمنَ جليبيبٍ ، إيمانُه وحبُّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - له ، ورسالتُه التي مات من أجلِها . إنَّ فقره وعدمَه وضآلةُ أسرتِه لم تُؤخِّرْه عنْ هذا الشرفِ العظيمِ والمكسب الضخمِ ، لقدْ حاز الشهادة والرِّضا والقبُول والسعادة في الدنيا والآخرة: ? فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ? .

إنَّ قيمتك في معانيك الجليلةِ وصفاتِك النبيلةِ .

إنَّ سعادتك في معرفتِك للأشياءِ واهتماماتِك وسموِّك .

إنَّ الفقرَ والعوز والخمول، ما كان - يومًا من الأيامِ- عائقًا في طريق التَّفوُّقِ والوصولِ والاستعلاءِ . هنيئًا لمنْ عَرَفَ ثمنه فعلًا بنفسِه ، وهنيئًا لمنْ أسعد نفسهُ بتوجيههِ وجهادِه ونُبِله ، وهنيئًا لمنْ أحْسنَ مرَّتيْن ، وسعد في الحياتينِ ، وأفلح في الكرتيْنِ ، الدُّنيا والآخرةِ .

أبو بكرٍ - رضي اللهُ عنهُ -: بآيةٍ: ? وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى {17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ? .

عمرُ - رضي الله عنه -: بحديثِ: (( رأيتُ قصرًا أبيض في الجنةِ ، قلتُ: لمن هذا القصرُ ؟ قيل لي: لعمر بنش الخطابِ ) ).

وعثمانُ - رضي الله عنهُ -: بدعاءِ: (( اللهمَّ اغفْر لعثمان ما تقدَّم منْ ذنبِه وما تأخَّر ) ).

وعليٌّ - رضي الله عنهُ -: (( رجُلٌ يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ُ ورسولُه ) ).

وسعدُ بنُ معاذٍ - رضي الله عنهُ -: (( اهتزَّ له عرشُ الرحمنِ ) ).

وعبدُاللهِ بن عمْرٍو الأنصاريُّ - رضي الله عنهُ: (( كلَّمه اللهُ كِفاحًا بلا ترْجُمان ) ).

وحنْظَلَةُ - رضي الله عنهُ -: (( غسَّلتْهُ ملائكةُ الرحمنِ ) ).

فرعونُ: ? النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ? .

وقارونُ: ? فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ? .

والوليدُ بنُ المغيرة: ? سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ? .

وأُميَّةُ بنُ خلف: ? وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ? .

وأبو لهبٍ: ? تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ? .

والعاص بنُ وائلٍ: ? كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ? .

وقفة

« قلَّةُ التوفيقِ وفسادُ الرأي ، وخفاءُ الحقِّ وفسادُ القلب ، وخمولُ الذِّكْرِ ، وإضاعةُ الوقتِ ، ونَفْرَةُ الخلْق ، والوحْشةُ بين العبدِ وبين ربِّه ، ومنْعُ إجابةِ الدعاءِ ، وقسوةُ القلبِ ، ومحْقُ البركةِ في الرِّزقِ والعُمرِ ، وحرمانُ العلمِ ، ولباسُ الذُّلِّ ، وإهانةُ العدوِّ وضيقُ الصدرِ ، والابتلاءُ بقرناءِ السوءِ الذين يُفسدون القلب ويُضيِّعون الوقت ، وطولُ الهمِّ ، وضنْكُ المعيشةِ ، وكَسْفُ البالِ ... تتولَّد من المعصيةِ والغفلِة عن ذكرِ اللهِ ، كما يتولَّد الزرعُ عن الماءِ ، والإحراقُ عن النارِ . وأضدادُ هذه تتولَّدُ عن الطاعةِ » .

« أمَّا تأثيرُ الاستغفارِ في دفْع الهمِّ والغمِّ والضيقِ ، فمِمَّا اشترك في العلْمِ به أهلُ المللِ وعقلاءُ كلِّ أمَّة ، إنَّ المعاصي والفساد تُوجِب الهمَّ والغمَّ ، والخوف والحزن، وضِيق الصدر ، وأمراض القلب ، حتى إنّ أهلها ذا قضوا منها أوطارها ، وسئمتْها نفوسُهم ، ارتكبوها دفعًا لما يجدونهُ في صدورهِم من الضِّيقِ والهمِّ والغمِّ ، كما قال شيخُ الفسوقِ:

وكأسٍ شرِبْتُ على لذَّةٍ

وأُخرى تداويْتُ مِنْها بها

وإذا كان هذا تأثيرُ الذنوبِ والآثامِ في القلوبِ ، فلا دواء لها إلا التوبةُ والاستغفارُ» .

رِقْقًا بالقوارير

? وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? . ? وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ? .

وفي الحديثِ: (( استوصُوا بالنساءِ خيرًا ، فإنهنَّ عوانٍ عندكم ) ).

وفي حديثِ آخر: (( خيرُكم خيركم لأهِلهِ ، وأنا خيرُكم لأهلي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت