فهرس الكتاب
وعلى العبدِ أنْ يتذكَّر دائمًا أنه يحمِلُ الموت ، وأنه يسعى إلى الموتِ ، وأنه ينتظرُ الموت صباح مساء ، وما أحسن الكلمة الرائقة الرائعة التي قالها عليُّ بنُ أبي طالب - رضي اللهُ عنه - وهو يقولُ: (( إن الآخرة قد ارتحلتْ مقبلةً ، وإن الدنيا قد ارتحلتْ مُدْبِرة ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عملٌ ولا حسابُ ، وغدًا حسابٌ ولا عملٌ ) ).
وهذا يفيدُنا أنَّ على الإنسان أن يتهيَّأ وأن يتجهزَّ وأن يُصلح من حالِه ، وأن يُجدِّد توبته ، وأن يعلم أنه يتعاملُ مع ربِّ كريمٍ قويٍ عظيمٍ لطيفٍ .
إن الموت لا يستأذنُ على أحدٍ ، ولا يحابي أحدًا ، ولا يجاملُ ، وليس للموت إنذارٌ مبكر يخبرُ به الناس، ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ?
? لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ?
ذكر الطنطاويُّ أيضًا في سماعاتِه ومشاهداتِه: أن باصًا كان مليئًا بالركاب ، وكان سائقُه يلتفتُ يَمْنَةً ويسْرَةً ، وفجأة وقف ، فقال له الركابُ: لِم تقفُ ؟ قال: أقفُ لهذا الشيخ الكبيرِ الذي يُشيرُ بيده ليركب معنا . قالوا: لا نرى أحدًا ، قال: انظروا إليه . قالُوا: لا نرى أحدًا ! قال: هو أقبل الآن ليركب معنا . قالوا كلُّهم: واللهِ لا نرى أحدًا من الناسِ ! وفجأة مات هذا السائقُ على مقعدِ سيارتِهِ .
لقدْ حضرتْ منيَّتُه ، وحلَّتْ وفاتُه ، وكان هذا سببًا ، ? فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ? ، إنَّ الإنسان يجبُن من المخاوفِ ، وينخلعُ قلبه منِ مظانِّ المنايا ، وإذا بالمآمنِ تقتلُه ، ? الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ? . والعجيبُ فينا أننا لا نفكرُ في لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولا في حقارةِ الدنيا ، ولا في قصةِ الارتحالِ منها إلا ذا وقعْنا في المخاوفِ .
ذكر أهلُ السيِّرِ: أن رجلًا أصابه الشللُ ، فأُقعد في بيته ، ومرتْ عليه سنواتٌ طوالٌ من المللِ واليأسِ والإحباطِ ، وعَجَزَ الأطباءُ في علاجِه ، وبلَّغوا أهله وأبناءه ، وفي ذات يومٍ نزلتْ عليه عقربٌ من سقفِ منزلِه ، ولم يستطعْ أن يتحرك من مكانِه ، فأتتْ إلى رأسِه وضربتْه برأسِها ضرباتٍ ولدغتْه لدغاتٍ ، فاهتزَّ جسمُه من أخمصِ قدميه إلى مشاشِ رأسِه ، وإذا بالحياةُ تدبُّ في أعضائِه ، وإذا بالبُرءِ والشفاء يسير في أنحاءِ جسمِه ، وينتفضُ الرجلُ ويعودُ نشيطًا ، ثم يقفُ على قدميه ، ثم يمشي في غرفتِه ، ثم يفتحُ بابه ، ويأتي أهله وأطفاله ، فإذا الرجلُ واقفًا ، فما كانوا يصدِّقون وكادوا من الذهول يُصعقون ، فأخبرهم الخَبَرَ .
فسبحان الذي جعل علاج هذا الرجلِ في هذا !!
وقد ذكرتُ هذا لبعضِ الأطباءِ فصدَّق المقولة ، وذكَرَ أن هناك مصْلًا سامًّا يُستخدم بتخفيفٍ كيماويٍّ ، ويعالجُ به هؤلاءِ المشلولون .
فجلَّ اللطيفُ في علاه ، ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواءً .
هذا صلةُ بن أشيم العابدُ الزاهدُ من التابعين: يذهب إلى الشمالِ ليجاهد في سبيل اللهِ ، ويضمُّه الليلُ فيذهبُ إلى غايةٍ ليصلي فيها ، ويدخل بين الشجرِ ويتوضَّأ ، ويقوم مصليًا ، وينهدُّ عليه أسدٌ كاسرٌ ، ويقتربُ من « صِلة » وهو في صلاته ، ويدورُ به ، وصلةُ في تبتُّله مستمرٌّ ، ولم يقطعْ صلاته وذِكره ، ويسلِّمُ صلةُ بن أشيم من ركعتين ، ثم يقولُ للأسدِ: إن كنت أُمرت بقتلي فكلْني ، وإن تُؤْمر فاتركْني أناجي ربي . فأرخى الأسدُ ذيله وذهب من المكان ، وترك صلة يصلي .
ولك أن تنظر في « البداية والنهاية » وغيرها من كتبِ التاريخِ ، وهذا مذكورٌ عن «سفينة» مولى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في كتبِ تراجمِ الصحابةِ ، أنه أتى هو ورفْقةٌ معهُ من ساحلِ البحرِ ، فلما نزلُوا البرَّ فإذا بأسدٍ كاسر مُقبلٍ يريدُهم ، فقال سفينةُ: يا أيها الأسدُ أنا من أصحابِ رسولِ الله ِ - صلى الله عليه وسلم - وأنا خادمُه ، وهؤلاء رفقتي ولا سبيل لك علينا . فولَّى الأسدُ هاربًا ، وزأر زأْرةً كاد يملأ بها ربوع المكانِ .
وهذه الوقائعُ والأحداثُ لا ينكرُها إلا مكابرٌ ، وإلا ففي سُننِ اللهِ في خلقِهِ ما يشهدُ بمثل هذا ، ولولا طولُ المقامِ لأوردْتُ عشراتِ القصصِ الصحيحةِ الثابتةِ في هذا الباب ، لكنْ يكفيك دلالةً من هذا الحديث ، لتعلم أن هناك ربّا لطيفًا حكيمًا لا تغيبُ عنه غائبةٌ . إن علم الله يلاحقُ الناس ، ولطفه سبحانه وتعالى وشهوده واطلاعه: ? مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ? .