فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 138

ورضي عن ربِّه وقت المجابهةِ الأولى ، يوم وقَفَ هو في حزبِ اللهِ ، ووقفتِ الدنيا - كلُّ الدنيا - تحاربُه بخيلِها ورجِلها ، بغناها بزخرفِها ، بزهوِها بخيلائها ، فكان راضيًا عن اللهِ . رضي عنِ اللهِ في الفترةِ الحرجةِ ، يوم مات عمُّه وماتت زوجتٌه خديجةُ ، وأُوذي أشدَّ الأذى ، وكُذب أشدَّ التكذيبِ ، وخُدشتُ كرامتُه ، ورُمي في صِدْقِهِ ، فقيل له: كذَّابٌ ، وساحرٌ ، وكاهنٌ ، ومجنونٌ ، وشاعرٌ .

ورضي يوم طُرِد من بلدِه ، ومسقطِ رأسهِ ، فيها مراتعُ صباه ، وملاعبُ طفولتِه ، وأفانينُ شبابِه ، فيلتفتُ إلى مكة وتسيلُ دموعُه ، ويقول: (( إنكِ أحبُّ بلادِ اللهِ إليَّ ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ ) ).

ورضي عن اللهِ وهو يذهبُ إلى الطائفِ ليعرِض دعوته ، فيُواجه بأقبحِ ردٍّ ، وبأسوأِ استقبالٍ ، ويُرمى بالحجارةِ حتى تسيل قدماه ، فيرضى عن مولاه .

ويرضى عن اللهِ وهو يخرج من مكة مرغمًا ، فيسير إلى المدينة ويُطاردُ بالخيلِ ، وتُوضعُ العراقيلُ في طريقِه أينما ذهب .

يرضى عن ربه في كلِّ موطنٍ ، وفي كل مكانٍ ، وفي كل زمنٍ .

يحضر أُحُدًا - صلى الله عليه وسلم - فيُشجّ رأسُه ، وتُكسرُ ثنيتُه ، ويُقتلُ عمُّه ، ويُذبحُ أصحابهُ ، ويُغلبُ جيشُه ، فيقول: (( صُفُّوا ورائي لأُثني على ربي ) ).

يرضى عن ربِّه وقد ظهر حِلْفٌ كافرٌ ضدَّه من المنافقين واليهود والمشركين ، فيقف صامدًا متوكِّلًا على اللهِ ، مفوِّضًا الأمر إليه .

وجزاءُ هذا الرضا منه - صلى الله عليه وسلم -: ? وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ? .

هِتافٌ في وادي نخلة

أُخرج محمدٌ المعصومُ - صلى الله عليه وسلم - من مكة حيث أهلُه وأبناؤه ودارُه ووطنُه ، طُردُ طردًا وشًرِّد تشريدًا ، والتجأ إلى الطائفِ فقُوبل بالتكذيبِ وجُوبِه بالجحودِ ، وتهاوتْ عليه الحجارةُ والأذى والسُّ والشتمُ .

فعيناه بدموع الأسى تكِفانِ وقدماه بدماءِ الطهرِ تنزفانِ ، وقلبُه بمرارةِ المصيبة يَلْعَجُ ، فإلى من يلتجئ ؟ ومن يسألُ ؟ وإلى من يشكو ؟ وإلى من يقصدُ ؟ إلى اللهِ إلى القويِّ إلى القهارِ ، إلى العزيزِ ، إلى الناصرِ .

استقبل محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - القبلة ، وقصد ربَّ ، وشكر مولاه ، وتدفَّق لسانهُ بعباراتِ الشكوى وصادقِ النجوى وأحرِّ الطلبِ ، ودعا وألحَّ وبكى ، وشكا وتظلَّم وتألَّم .

المآقي من الخطوبِ بكاءُ

والمآسي على الخدودِ ظِماءُ

وشفاهُ الأيامِ تلثمُ وجهًا

نَحَتَتْهُ الرعودُ والأنواءُ

اسمع سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - مولاهُ وإلهه ليلة نخلة ، إذْ يقول: (( اللهم إني أشكو إليك ضعْف قوتي وقِلَّة حيلتِي وهواني على الناسِ ، أنت أرحمُ الراحمين، وربُّ المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكِلُني ؟ إلى قريبٍ يتجهَّمُني ، أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري ، إن لم يكن عليَّ غَضَبٌ فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لُي ، أعوذُ بنور وجهِك الذي أشرقتْ له الظلماتُ ، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ ، أن ينزلُ بي غَضَبُك ، أو يحلَّ بي سخطُك ، لك العُتْبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بكَ ) ).

? لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ? .

هذه غايةُ ما يتمناه المؤمنين وما يطلبُه الصادقون وما يحرصُ عليه المفلحون .. رضوانِ اللهِ . إن الرضا أجلُّ المطالبِ وأنبلُ المقاصدِ وأسمى المواهبِ .

هنا في هذه الآية جاء رضا اللهِ ، بينما ذُكِر في موضعٍ آخر الغفرانُ: ? لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ?.وفي موطنٍ ثانٍ التوبةُ:? لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ ? . وفي ثالثٍ العفوُ: ? عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ? .

أما هنا: فالرضوان المحقَّقُ ، لأنهم يبايعونك تحت الشجرةِ وعلم اللهُ ما في قلوبِهم ، فبيْعتُهم بيعةٌ لأرواحهم الثمينةِ عندهم لتزهق لمرضاةِ الملكِ الحقِّ ، وبيعةٌ لأنفسهم النفيسةِ لتذهب لمرضاةِ الواحدِ القهارِ ، وبيعةٌ لوجودهم وحياتهم ، لأنَّ في موتهم حياة للرسالة ، وفي قتلهم خلودًا للملة ، وفي ذهابِهم بقاءً للميثاقِ .

وعِلم ما في قلوبهم من الإيمانِ المكينِ واليقينِ المتين ، والإخلاصِ الصافي والصدقِ الوافي ، لقد تعبُوا وسهرُوا ، وجاعُوا وظمئُوا ، وأصابهم الضررُ والضيقُ ، والمشقةُ والضنى ، لكنه رضي عنهم .

لقد فارقُوا الأهل والأموال والأولاد والديار ، وذاقُوا مرارة الفراقِ ولوعة الغربةِ ، ووعثاء السفرِ وكآبة الارتحالِ ، لكنه رضي عنهم .

لقد شُرِّدوا وطُرِدُوا وفُرِّقُوا وتعِبُوا وأُجهدُوا ، لكنَّه رضي عنهم .

هل جزاءُ هؤلاء المجاهدين والمنافحين عن الملةِ: غنائمُ من إبل وبقرٍ وغنمٍ ؟ هل مكافأةُ هؤلاء المناضلين عن الرسالة الذابِّين عن الدينِ: عُروضٌ ماليةٌ ؟ هل تظنُّ أنه يُبرِدُ غليل هؤلاءِ الصفوةِ المجتباةِ والنخبةِ المصطفاةِ ، دراهمُ معدودةٌ أو بساتينُ غنَّاء أو دورٌ منمَّقةٌ ؟ لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت