فهرس الكتاب
وأعجبُ من هذا أن بعض خلفاءِ بني العباس فاته أن يقتل خصومه من بني أمية ، لأنهم ماتُوا قبل أن يتولَّى ، فأخرجهم من قبورهم وبعضُهم رميمٌ فجلدهم ، ثم صلبهم ، ثم أحرقهم . إنها ثورةُ الحقدِ العارمِ الذي يُنهي على المسرَّاتِ وعلى مباهجِ النفسِ واستقرارِها .
إن الضرر على المنتقمِ أعظمُ ، لأنه فَقَدَ أعصابَه وراحته وهدوءهُ وطمأنينته .
لا يبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ
ما يبلغُ الجاهلُ مِنْ نَفْسِهِ
? وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ? .
وقفةٌ
« ليس للعبدِ إذا بُغِي عليه وأُوذي وتسلَّط عليه خصومُه ، شيء أنفعُ له من التوبةِ النصوحِ ، وعلامةُ سعادتِه أن يعكس فكره ونظره على نفسِه وذنوبِه وعيوبِه ، فيشتغل بها وبإصلاحها ، وبالتوبةِ منها ، فلا يبقى فيه فراغٌ لتدبُّر ما نَزَل به ، بل يتولَّى هو التوبة وإصلاح عيوبه ، واللهُ يتولى نُصرته وحفظه والدفع عنه ولابدَّ ، فما أسعدهُ من عبدٍ ، وما أبركها من نازلةٍ نزلتْ به ، وما أحسن أثرها عليه ، ولكن التوفيق والرشد بيدِ اللهِ ، لا مانعٍ لما أعطى ولا مُعطي لما منع ، فما كلُّ أحدٍ يُوفَّق لهذا ، لا معرفةً به ، ولا إرادةً له ، ولا قدرةً عليه ، ولا حول ولا قوة إلا باللهِ » .
سبحان منْ يعفو ونهفو دائمًا
ولم يزلْ مهما هفا العبدُ عفا
يُعطي الذي يخطي ولا يمنعُه
جلالُه عن العطا لذي الخطا
لا تذُبْ في شخصيةِ غيرك
تمرُّ بالإنسان ثلاثةُ أطوار: طوْرُ التقليد ، وطورُ الاختيارِ ، وطورُ الابتكارِ . فالتقليدُ: هو المحاكاةُ للآخرين وتقمُّصُ شخصياتِهم وانتحالُ صفاتِهم والذوبانُ فيهم ، وسببُ هذا التقليدِ هو الإعجابُ والتعلُّقُ والميْلُ الشديدُ ، وهذا التقليدُ الغالي ليحمل بعضهُم على التقليد في الحركاتِ واللحظاتِ ، ونبْرةِ الصوتِ والالتفاتِ ، ونحو ذلك ، وهو وأْدٌ للشخصية وانتحارٌ معنويٌّ للذاتِ . ويا لمُعاناةِ هؤلاءِ من أنفسِهم ، وهم يعكسون اتجاههُمْ ، ويسيرون إلى الخلفِ !! فالواحدُ منهم ترك صوته لصوتِ الآخرِ ، وهَجَرَ مشيته لمشيةِ فلانٍ ، ليت هذا التقليد كان للصفاتِ الممدوحةِ التي تُثري العمر وتُضفي عليه هالة من السموِّ والرّفعةِ ، كالعِلْمِ والكرمِ والحلمِ ونحوها ، لكنك تُفاجأُ أن هؤلاء يقلِّدون في مخارجِ الحروفِ وطريقةِ الكلامِ وإشارةِ اليدِ !! .
أريدُ التأكيد عليك بما سبق: إنك خَلْقٌ آخرُ وشيءٌ آخرُ ، إنه نهجُك أنت من خلالِ صفاتِك وقدراتِك ، فإنه منذُ خَلَقَ اللهُ آدم إلى أن ينهي اللهُ العالم ، لم يتفقْ اثنانِ في الصورةِ الخارجيةِ للجسمِ ، بحيثُ ينطبق شكلُ هذا على شكلِ ذاك: ? وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ? الآية . فلماذا نحنُ نريدُ أن نتفقَ مع الآخرين في صفاتِنا ومواهبِنا وقدراتِنا ؟!
إن جمال صوتِك أن يكون متفرِّدًا ، وإن حُسْن إلقائِك أن يكون متميِّزًا: ? وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ? .
المكظومون في انتظار لطْف الله
هذا الخطيبُ المِصْقعُ لا يلتوي لسانُه إذا تراكضتِ الألفاظُ في ميدانِ البيانِ ، بل يمضي ساطعًا صارمًا متدفِّقًا .
هو خطيبُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحسْبُ ، وخطيب الإسلام وكفى ، كان يرفع صوته بالخطبِ بين يدي رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لنصرةِ الدِّين ، إنه ثابتُ بنُ قيسِ بن شمّاس ، وأنزل اللهُ: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ? . وظنَّ قيسٌ أنه هو المقصودُ ، فاعتزل الناس واختبأ في بيتِه يبكي ، وفقده رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنه ، فأخبره الصحابةُ الخَبَرَ ، فقال: (( كلاَّ ، بل هو من أهلِ الجنةِ ) ).
فصارتِ النذارةُ بشارةٌ .
هناءٌ محا ذاك العزاء المقدَّما
فما جزِع المحزونُ حتى تبسَّما
وتبقى عائشةُ أمُّ المؤمنين - رضي اللهُ عنها - تبكي شهرًا كاملًا ليلًا ونهارًا ، حتى كاد البكاء يمزِّقُ كبِدها ويفري جسمها ، لأنها طُعنتْ في عِرْضها الشريفِ ، العفيفِ ، فجاء الفرج: ? إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? . وحمدتِ الله وصارتْ أطهر الطُّهرِ ، كما كانتْ ، وفرح المؤمنون بهذا الفتحِ المبينِ .
والثَّلاثةُ الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك ، وضاقْتْ عليهمْ الأرضُ بما رحُبتْ ، وضاقتْ عليهم أنفسُهم ، وظنُّوا أن لا ملجأ من اللهِ إلا إليه ، أتاهم الفرجُ ممنْ يملكُه - سبحانه- ونزل عليهم الغوْثُ من السميعِ القريبِ .
احرصْ على العملِ الذي ترتاحُ لهُ
يقولُ ابن تيمية: « ابتدأني مرضٌ ، فقال لي الطبيبُ: إنَّ مطالعتك وكلامك في العلمِ يزيدُ المرض . فقلت له: لا أصبرُ على ذلك ، لا أصبرُ على ذلك ، وأنا أحاكمُك إلى علمِك ، أليستِ النَّفسُ إذا فرجتْ وسُرَّتْ قويتِ الطَّبيعةُ ، فَدَفعتِ المرض ؟ فقال: بلى . فقلتُ له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلمِ ، فتقوى به الطبيعةُ ، فأجدُ راحةً . فقال: هذا خارجٌ عن علاجِنا» ?لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ? .
لعلَّ عَتْبَك محمودٌ عواقبُهُ
فربَّما صحتِ الأجسامُ بالعِللِ