فهرس الكتاب
ذكر البخاريُّ في صحيحهِ: أن رجلًا من بني إسرائيل طلب من رجلٍ أن يُقرضه ألف دينارٍ ، قال: هل لك شاهدٌ ؟ قال: ما معي شاهدٌ إلا اللهُ . قال: كفى بالله شهيدًا . قال: هل معك وكيلٌ ؟ قال: ما معي وكيل إلا اللهُ . قال: كفى بالله وكيلًًا. ثم أعطاه ألف دينار ، وذهب الرجل وكان بينهما موعدٌ وأجلٌ مسمَّى ، وبينهما نهرٌ في تلك الديارِ ، فلما حان الموعدُ أتى صاحبُ الدنانيرِ ليعيدها لصاحبِها الأولِ ، فوقف على شاطئ النهرِ ، يريدُ قاربًا يركبُه إليه ، فما وجد شيئًا ، وأتى الليلُ وبقي وقتًا طويلًا ، فلم يجدْ من يحملُه ، فقال: اللهمَّ إنه سألني شهيدًا فما وجدتُ إلا أنت ، وسألني كفيلًا فما وجدتُ إلا أنت ، اللهمّ بلِّغْه هذه الرسالة . ثم أخذ خشبةً فنقرها وأدخل الدنانير فيها ، وكتب فيها رسالةً ، ثم أخذ الخشبة ورماها في النهرِ ، فذهبتْ بإذنِ الله ، وبلطفِ اللهِ ، وبعنايةِ اللهِ سبحانه وتعالى ، وخرج ذاك الرجلُ صاحبُ الدنانير الأولُ ينتظرُ موعد صاحبهِ ، فوقف على شاطئ النهرِ وانتظر فما وجد أحدًا ، فقال: لِم لا آخذ حطبًا لأهل بيتي ؟! فعرضتْ له الخشبةُ بالدنانير ، فأخذها وذهب بها إلى بيتِه ، فكسرها فوجد الدنانير والرسالة .
لأنَّ الشهيد سبحانه وتعالى أعان ، ولأن الوكيل أدَّى الوكالة ، فتعالى اللهُ في عُلاهُ .
? وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? .
? وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? .
وقفةٌ مخالفة النفس
قال لبيدُ:
فاكذبِ النفس إذا حدَّثْتها
إنَّ صِدْق النفسِ يُزْرِي بالأملْ
وقال البستيُّ:
أفِدْ طبعك المكدود بالهمِّ راحةً
تجمَّ وعلِّلْهُ بشيءٍ من المزْحِ
ولكنْ إذا أعطيته ذاك فليكنْ
بمقدارِ ما يُعطى الطعامُ مِن الملحِ
وقال أبو علي بن الشبل:
بحفظِ الجسمِ تبقى النفسُ فيهٍ
بقاء النارِ تُحفظُ بالوعاءِ
فباليأسِ المُمِضِّ فلا تُمِتْها
ولا تمددْ لها طول الرجاءِ
وعِدْها في شدائدها رخاءً
وذكِّرْها الشدائد في الرخاءِ
يُعدُّ صلاحُها هذا وهذا
وبالتركيبِ مَنْفَعَةُ الدواءِ
أطِبْ مطعمك تكنْ مستجاب الدعوةِ
كان سعدُ بنُ أبي وقَّاص يدركُ هذه الحقيقة ، وهو أحدُ العشرةِ المبشرين بالجنةِ ، وقد دعا له - صلى الله عليه وسلم - بسدادِ الرمي وإجابةِ الدعوةِ ، فكان إذا دعا أُجيبْت دعوتُه كَفَلقِ الصبحِ .
أرسل عمرُ - رضي اللهُ عنه - أناسًا من الصحابة يسألون عن عدْلِ سعدٍ في الكوفةِ ، فأثنى الناسُ عليه خيْرًا ، ولما أتْوا في مسجدِ حيٍّ لبني عبْسٍ ، قام رجلٌ فقال: أما سألتموني عنْ سعدٍ ؟ فإنه لا يعدلُ في القضيةِ ، ولا يحكمُ بالسَّويَّةِ ، ولا يمشي مع الرعية . فقال سعدٌ: اللهمَّ إنْ كان قام هذا رياءً وسمعةً فأعْمِ بصره ، وأطلْ عمره ، وعرِّضْه للفتنِ . فطال عُمْرُ هذا الرجلِ ، وسقط حاجباهُ على عينيه ، وأخذ يتعرَّضُ للجواري ويغمزهُنّ في شوارعِ الكوفةِ ، ويقول: شيخٌ مفتون ، ، أصابتْني دعوة سعْدٍ .
إنه الاتصالُ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وصدق النية معه ، والوثوق بموعودِه ، تبارك اللهُ ربَّ العالمين .
وفي « سيرِ أعلامِ النبلاءِ» : عن سُعد أيضاًَ: أن رجلًا قام يَسُبُّ عليًا -رضي اللهُ عنه- ، فدافع سعدٌ عن علي ، واستمرَّ الرجل في السبِّ والشتمِ ، فقال سعدٌ: اللهم اكفنيه بما شئت . فانطلق بعيرٌ من الكوفةِ فأقبل مسرعًا ، لا يلوي على شيء ، وأخذ يدخل من بينِ الناس حتى وَصَلَ إلى الرجلِ ، ثم داسه بخفَّيْه حتى قتله أمام مشهدٍ ومرأى من الناسِ .
? إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ? .
وإنني أعرضُ لك هذه القصص لتزداد إيمانًا ووثوقًا بموعودِ ربِّك فتدعوه وتناجيه ، وتعلم أن اللطف لطفُه سبحانه ، وأنه قد أمرك في محكم التنزيل فقال: ? ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? . ? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? ..
لقد استدعى الحجَّاجُ الحسن البصريَّ ليبطش به ، وذهب الحسنُ وما في ذهنه إلا عنايةُ اللهِ ولطفُ الله ، والوثوقُ بوعِد اللهِ ، فأخذ يدعو ربَّه ، ويهتفُ بأسمائِه الحسنى ، وصفاتِه العلى ، فيحوِّل اللهُ قلب الحجاجِ ، ويقذفُ في قلبه الرعب ، فما وصل الحسَنُ إلا وقد تهيأ الحجاجُ لاستقبالِه ، وقام إلى البابِ ، واستقبل الحَسَنَ ، وأجلسَه معه على السريرِ ، وأخذ يُطيِّب لحيته ، ويترفَّقُ به ، ويُلينُ له في الخطابِ !! فما هو إلا تسخيرُ ربِّ العزةِ والجلالِ .
إنَّ لطف اللهِ يسري في العالمِ ، في عالم الإنسانِ ، في عالمِ الحيوانِ ، في البرِّ والبحْرِ ، في الليلِ والنهارِ ، في المتحركِ والساكنِ ، ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ? .
صحَّ: أنَّ سليمان عليه السلام قد أُوتي منطق الطيرِ ، خَرَجَ يستسقي بالناسِ ، وفي طريقِه من بيتِه إلى المصلَّ رأى نملةً قد رفعتْ رجليها تدعو ربَّ العزِة ، تدعو الإله الذي يعطي ويمنحُ ويلطفُ ويُغيثُ ، فقال سليمان: أيُّها الناسُ ، عودُوا فقد كُفيتُم بدعاءِ غيرِكم .