فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 138

كُلًا نُمِدُّ هؤلاءِ وهؤلاء

ما أحوجنا إلى المثابرةِ واستثمارِ الوقت ، ومسابقةِ الأنفاسِ بالعملِ الصالحِ النافعِ المفيدِ ، إننا سوف نسعدُ يوم نقدِّم للآخرين نفعًا ووعيًا وخدمة وثقافةً وحضارةً ، وسوف نسعدُ إذا علمْنا أننا لم نأتِ إلى الحياةِ سُدّى ، ولم نُخْلقْ عَبَثًا ، ولم نُوجدْ لعِبًا .

يوم تصفَّحتُ « الأعلام » للزركليِّ فوجدتُ تراجم شرقيين وغربيين ، ساسةً وعلماء ، وحكماء وأدباء وأطباء ، يجمعهم أنهم نابغون مؤثِّرون لامعون ، ووجدتُ في سِيرهم جميعًا سنة اللهِ في خلقِه ، ووعد اللهِ في عبادِه ، وهي أن من أحسن من أجل الدنيا وُفّي نصيبه من الدنيا ، من الذيوعِ والشهرةِ والانتشارِ ، وما يلحقُ ذلك من مالِ ومنصبٍ وإتحافٍ ، ومن أحسن للآخرةِ وجدها هنا وهناك ، من النفعِ والقبولِ والرضا والأجرِ والمثوبةِ: ? كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ? .

ووجدتُ في الكتابِ أيضًا أن هؤلاءِ العباقرةِ الذين قدَّموا للبشرية نفعًا ونتاجًا ولم يعملُوا للآخرة - وأخصُّ منهم غيْر المؤمنين باللهِ ولقائِه - وجدتُهم أسعدوا الناس أكثر من أنفسِهم ، وأفرحوا أرواح الآخرين أكثر من أرواحهِم ، فإذا بعضُهم ينتحرُ ، وبعضهم يثورُ من واقعِه ويغضبُ من حياتِهِ ، وآخرون منهم يعيشون بؤسًا وضنْكًا .

وسألتُ نفسي: ما هي الفائدةُ إذا سعد بي قومٌ وشقيت أنا ، وانتفع بي ملأٌ وحُرمِت أنا ؟!

ووجدتُ أنَّ الله أعطى كلَّ أحدٍ من هؤلاءِ البارزين ما أراد ، تحقيقًا لوعدِه ، فجمْعٌ منهم حصل على جائزةِ نوبل ، لأنه أرادها وسعى لها ، ومنهم من تبوَّأ الصدارة في الشهرةِ ، لأنه بحث عنها وشغف بها ، ومنهم من وَجَدَ المال ، لأنه هام به وأجبَّه ، ومنهم عبادُ اللهِ الصالحون ، حصلُوا على ثوابِ الدنيا وحسنِ ثوابِ الآخرةِ - إنْ شاء اللهُ - ، يبتغون فضلًا من اللهِ ورِضْوانًا .

إنَّ من المعادلات الصحيحة المقبولة: أن المغمور السعيد الواثق من منهجِه وطريقِه ، أنعمُ حظًّا من اللامعِ الشهيرِ الشقيِّ بمبادئِه وفكرِهِ .

إنَّ راعي الإبلِ المسلمِ في جزيرةِ العربِ أسعدُ حالًا بإسلامِه من « تولوستوي » الكاتب الروائي الشهيرِ ، لأن الأول قضى حياته مطمئنًا راضيًا ساكنًا يعرفُ مصيرَهُ ومنقلبه ، والثاني عاش ممزَّق الإرادةِ ، مبعثر الجهدِ ، لم يبردْ غليلُه من مرادِه ، ولا يعرفْ مستقبلهُ .

عند المسلمين أعظمُ دواءٍ عرفتْه البشريةُ ، وأجلُّ علاجٍ اكتشفتْه الإنسانيةُ . إنه الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ ، حتى قال بعضُ الحكماءِ: لن يسعد في الحياةِ كافرٌ بالقضاءِ والقدرِ . وقد أعدتُ عليك هذا المعنى كثيرًا ، وعرضتُه لك في أساليب شتَّى ، وأنا على عمْد ، لأنني أعرفُ من نفسي ومن كثير مثلي أننا نؤمنُ بالقضاءِ والقدرِ فيما نحبُّه ، وقد نتسخَّطُ عليه فيما نكرهُهُ ، ولذلك كان شرطُ الملَّةِ وميثاقُ الوحيِ: (( أن تؤمن بالقدرِ خيرِه وشره ، حلوِه ومرِّه ) ).

ومن يؤمنْ بالله يهدِ قلبَه

أسوقُ هنا قصةً لتظهر سعادة من رضي بالقضاءِ ، وحيرة وتكدُّر وشكَّ منْ سخِط مِن القضاءِ:

فهذا كاتبٌ أمريكيٌ لامعٌ ، اسمُه « بودلي » مؤلّفُ كتابِ « رياح على الصحراءِ » ، و « الرسول - صلى الله عليه وسلم - » وأربعة عشرَ كتابًا أخرى ، وقد استوطن عام 1918 م إفريقية الشمالية الغربية ، حيث عاش مع قومٍ من الرُّحَّل البدوِ المسلمين ، يصلُّون ويصومون ويذكرون الله . يقولُ عن بعضِ مشاهدِه وهو معهم: هبَّتْ ذات يومٍ عاصفةٌ عاتية ، حملت رمال الصحراءِ وعبرتْ بها البحر الأبيض المتوسط ، ورمتْ بها وادي الرون في فرنسا ، وكانت العاصفة حارةً شديدةً الحرارةِ ، حتى أحسستُ كأنَّ شعْر رأسي يتزعزعُ من منابتِهِ لفرطِ وطأةِ الحرِّ ، فأحسستُ من فرطِ الغيظِ كأنني مدفوعٌ إلى الجنون ، ولكنَّ العرب لم يشكوا إطلاقًا ، فقد هزُّوا أكتافهم وقالوا: قضاءٌ مكتوبٌ . واندفعوا إلى العمل بنشاطٍ ، وقال رئيسُ القبيلةِ الشيخُ: لم نفقدِ الشيء الكثير ، فقد كنا خليقين بأن نفقد كلَّ شيءٍ ، ولكن الحمدُ للهِ وشكرًا ، فإن لدنيا نحو أربعين في المائة مِن ماشيِتنا ، وفي استطاعِتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد .

وثمَّة حادثةٌ أخرى .. فقدْ كنا نقطعُ الصحراء بالسيارةِ يومًا فانفجر أحدُ الإطارات ، وكان الشائقُ قد نسي استحضار إطار احتياطيٍّ ، وتولاني الغضبُ ، وانتابني القلقُ والهمُّ ، وسألتُ صحبي من الأعرابِ: ماذا عسى أن نفعل ؟ فذكَّروني بأن الاندفاع إلى الغضبِ لن يُجدي فتيلًا ، بل هو خليقٌ أن يدفع الإنسان إلى الطيشِ والحُمْقِ ، ومنْ ثم درجتْ بنا السيارة وهي تجري على ثلاثة إطارات ليس إلا ، لكنها ما لبثت أن كفَّتْ عن السير ، وعلمت أن البنزين قد نفَدَ ، وهناك أيضًا لم تثرْ ثائرة أحدٍ منْ رفاقي الأعرابِ ، ولا فارقهُم هدوؤهم ، بل مضوْا يذرعون الطريق سيرًا على الأقدامِ ، وهم يترنَّمون بالغناءِ !

قد أقنعتني الأعوامُ السبعةُ التي قضيتُها في الصحراءِ بين الأعرابِ الرحَّلِ ، أنَّ الملتاثين ، ومرضى النفوسِ ، والسكيرين ، الذين تحفلُ بهم أمريكا وأوربة ، ما هم إلا ضحايا المدينةِ التي تتخذُ السرعة أساسًا لها .

إنني لم أعانِ شيئًا من القلق قطُّ ، وأنا أعيشُ في الصحراءِ ، بل هنالك في جنةِ اللهِ ، وجدتُ السكينة والقناعة والرضا ، وكثيرون من الناسِ يهزؤون بالجبريةِ التي يؤمن بها الأعرابُ ، ويسخرون من امتثالِهِم للقضاءِ والقدرِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت