الحمد لله الأوَّل بلا ابتداء ، الآخر بلا انتهاء . المنفرد بقدرته والمتعالى في سلطانه . الذى لا تدركه العيون ولا تبلغه الظنون . البادىء بالإحسان العائد بالامتنان . الحمد لله الذى جعل عبادته اختيارا ، ومعرفته اضطرارا . الذى قرن بالفضل رحمته وبالعدل عذابه . فالناس مدينون بين فضله وعدله ، آذنون بالزوال آخذون في الانتقال من دار بلاء إلى دار جزاء . أحمده على حلمه بعد علمه وعلى عفوه بعد قدرته . فإنه رضى الحمد ثمنا لجزيل نعمائه وجليل آلائه وجعل مفتاح رحمته وآخر دعوى أهل جنته { أن الحمد لله رب العالمين } . وصلى الله على نبينا المُكرَّم ، الشافع المُقرَّب . الذى بُعِث آخرا واصْطُفِىَ أولا . جعلنا الله من أهل طاعته وعتقاء شفاعته .
رَبِّ أنعمتَ فزِدْ
أمَّا بعد:
عندما ينقلب البصر إلى بصيرة . حينئذ تكون لحظة الإيمان وبرد اليقين . وليس الموضوع إدراك فهم أو حلّ إِشكال طال زمانه . إنه نور الحق وومضة الصدق وسلامة الفكر . تراه البصيرة من فوق السطور ، فتطلب الغوص في أعماق المسطور لتستجلى الأمور ، وتكشف عن المستور حتى تفوز ببرد اليقين ألا وهو الإيمان الصحيح . فالحقيقة لا تتجلى بذاتها لكل قارىء ، ولكنها تخصّ مريديها الباحثين عنها بعيدا عن الأهواء ومتابعة الناس . ومهما تعامت البصائر فإنَّ لها في حلم الله تعالى أملا في اكتشاف النور . نور الحق والحقيقة .
وأنا لا أطلب من قارىء كتابى هذا ـ مسلم أو مسيحى ـ إلاَّ أن يكون على قدر متوسط من اليقظة التى ينبغى أن يحافظ عليها أثناء التعامل مع ما يقرؤه بعقله وهو في حالة صحو تام . ليس مخدرا أو متخيلا لأشياء غير مكتوبة بين يديه ، فكم من رُؤَى مقلوبة اُبتلى بها الذهن من فرط ما ضُخّ فيه من تعاليم مغلوطة عبر القرون الماضية .