فهرس الكتاب
ويذهب أصحاب هذه النظرية إلى أن عملية المطاردة أصبحت بعد قليل مثل مطاردة أجهزة المخابرات الحديثة لمن يُسمَّون «أعداء الدولة» . وهذه الأجهزة كثيرًا ما تختلق الاتهامات ضدهم وتخترعها اختراعًا إن لم تجدها، حتى يُكتَب لوظيفتها الاستمرار وحتى تُحكم قبضتها على الحاكم ويتزايد نفوذها وهيبتها. ومن هنا مطاردتها لبعض المسيحيين الجدد الذين تَنصَّروا عن صدق، حتى يُكتَب لها الاستمرار وتحقيق الرسالة!
ويُضيف أصحاب هذه النظرية بُعدًا اجتماعيًا أخيرًا، وهو أن محاكم التفتيش لم تكن تهدف في واقع الأمر إلى القضاء على الهرطقة اليهودية بين المارانو كما كانت تدَّعي، وإنما كانت تهدف إلى وقف الحراك الاجتماعي لكل المسيحيين الجدد. ولم تكن تميِّز بين من اعتنق المسيحية عن صدق وبإرادته من جهة وبين من ادعى الإيمان بها من جهة أخرى. فالمسيحيون الجدد كانوا يشكلون طبقة وسطى جديدة لها إمكانيات غير متوافرة لكثير من قطاعات النخبة الحاكمة. ومن المعروف أنه، مع نهاية القرن السابع عشر، لم يكن هناك فرق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى. ولكن، مع هذا، تم تأكيد الفروق لتكون مسوِّغًا لمطاردة أعضاء الطبقة الجديدة. وقد استخدمت محاكم التفتيش معيارًا دنيويًا غير ديني ( «درجة نقاء الدم» ) وبالتالي تكون محاكم التفتيش هي أولى علامات العنصرية العلمانية (مقابل التعصب الديني) والتي تعتمد العرْق (لا الدين) معيارًا للتفرقة بين البشر. ولم تتوقف المطاردة إلا عام 1773 حين تَقرَّر إحراق الوثائق التي تُفرِّق بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى.