فهرس الكتاب

الصفحة 2011 من 8511

ورغم جهل دوستويفسكي الشديد بالحقائق التاريخية المتنوعة، قام بالتعميم استنادًا إلى معرفته المقصورة على زمان ومكان محددين، فأصبح يهود روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هم اليهود كافة، واليهود في كل زمان ومكان. وهذه هي الطريقة التي تُولَد بها الأنماط الإدراكية العنصرية. ودوستويفسكي هو ابن عصره الغربي الذي هيمن عليه فكر عنصري إمبريالي (بالمعنى الحرفي) ، يقسم العالم إلى عنصرين اثنين متصارعين (الأنا والآخر) ، فيقدِّس الذات ويهدر حقوق الآخر، ولا يدخل في علاقة مركبة مع التاريخ وإنما يجتزئ منه ليدعم وجهة نظره العرْقية. وهذا ما فعله دوستويفسكي وهتلر، والعنصريون كافة قبلهما وبعدهما (وقد لاحَظ أحد الدراسين، بالفعل، السمات المشتركة بين هتلر ودوستويفسكي) .

ثم نأتي أخيرًا للقضية التي طرحناها في بداية هذا المدخل: التناقض بين رؤية دوستويفسكي الإنسانية العالمية، والتي تتبدى أساسًا في أعماله الأدبية، وموقفه العنصري الضيق تجاه اليهود. ودهشتنا لهذا التناقض مردها وهمان آخران:

1 ـ يُسيطر علينا تصوُّر مفاده أن ثمة اتساقًا عضويًا وتكاملًا في حياة البشر، وأن كل إنسان يتبع منطقًا واحدًا في حياته. وتبعًا لهذا التصوُّر، لا يمكن أن يكون فرد واحد إنسانًا عامر الإنسانية مع بني جلدته وقبيلته، متوحشًا بالغ الوحشية مع مجموعة إنسانية أخرى، ورغم أن هذا التصور منطقي، فإنه أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة، فالوجود الإنساني يتسم بالتناقض والتركيب، ويجتمع في داخل الإنسان الواحد الخير والشر والنبل الخسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت