فهرس الكتاب

الصفحة 2347 من 8511

كل هذه العناصر هي، في نظر فيبر، أشكال من ترشيد علاقة الخالق بالمخلوق. ومع أن هذا الترشيد يتم في إطار ديني، فهو ترشيد تقليدي متوجه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، إلا أن الصيغة المنهجية التي يتم بها هي بمثابة إعداد نفسي للإنسان والمجتمع يخلق تبادلًا اختياريًا أو قابلية للترشيد العلماني الحديث (وهو ترشيد إجرائي يتم خارج إطار أية مطلقات معرفية أو أخلاقية في مرحلة تاريخية لاحقة) . فإخضاع الحياة الدينية لمنهج متسق أدَّى إلى استبعاد الطرق الارتجالية للتحكم؛ مثل السحر والأشكال البدائية للتنبؤ. فحل النبي محل الساحر، ثم استمرت العملية حتى حل البيروقراطي الحديث محل الجميع (وهذا هو ما يسميه فيبر «نزع السحر عن العالم» ) ، أي أن اليهودية (باعتبارها ديانة توحيدية) دعمت الاتجاه نحو الترشيد في الحضارة الغربية (ومن ثم الحضارة الحديثة بشكل عام) .

الجدير بالذكر أن فيبر يشير إلى أن اليهودية لم تكمل العملية الترشيدية نظرًا لظهور عقائد غير رشيدة داخل اليهودية. فالأنبياء أكدوا أن الإله هو إله العالمين، ولكنهم مع هذا أكدوا أيضًا أن جماعة يسرائيل هي وحدها شعبه المختار، وأن كل الشعوب الأخرى ليست إلا وسيلة لتحقيق غايته، أي أن يهوه أصبح إلهًا عالميًا وإله شعب يسرائيل في آن واحد. وقد فُسِّر هذا التناقض على أساس أن يهوه هو رب العالمين حقًا بمقدار دخوله في ميثاق أو عهد مع شعب يسرائيل وحده.

وبهذا، أصبح أعضاء جماعة يسرائيل هم الشعب المختار. ولكنهم حينما أصبحوا فيما بعد شعبًا منبوذًا ليس لهم أي استقلال سياسي، بدأوا في تفسير هذا المفهوم تفسيرًا جديدًا. فهذا الشعب المختار المنبوذ بوسعه، من خلال المعاناة والإيمان بالخالق، أن يصبح مخلّصًا للإنسانية جمعاء، وبذا أصبح الشعب منبوذًا لأنه مختار، بل أصبح النبذ هو أكبر شاهد على اختياره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت