فهرس الكتاب
يكون قد تم تطبيعه، ويصير اليهود شعبًا، مثلهم مثل كل الشعوب، لهم وطنهم ولغتهم وجيشهم. ومن هنا، لا يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) مجرد فعل خارجي يحمل مدلولًا اقتصاديًا محدودًا، وإنما فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية. وهو أيضًا يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة، ويُعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم والتي يقاتل أهلها ضدهم.
ولكن التطبيع في السياق الصهيوني يعني أيضًا التغريب، أي أن يصبح لليهود وطن يؤسَّس على النسق العلماني الغربي. فالصهاينة يرون دولتهم الاستيطانية جزءًا من التشكيل الإمبريالي الغربي. وقد أسس الصهاينة دولتهم، التي حوَّلت الدين إلى رموز قومية خالية من المضمون الأخلاقي على طريقة الدول الغربية الحديثة، المتمسكة بقيم المنفعة وبالقوة كوسيلة لحل كل مشاكلها. وبعد حرب 1967، مع تلاشي ما تبقى من أوهام عن روح الريادة والعمل العبري، ازدادت الروح النفعية والاستهلاكية. ولذا، زادت حدة التطبيع، وأصبح يهود إسرائيل مثل كل الشعوب، والأمريكيين على وجه الخصوص. وربما يفسر هذا نزوح كثير من الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الاستهلاكية، فهذه هي النتيجة المنطقية لمنطق التطبيع بمعنى التغريب.