فهرس الكتاب
ومما ساعد على تخفيف حدة الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج، في مرحلة ما قبل عام 1880، أن النمط الرأسمالي (في مراحله الأولى) كان يتم بأشكال بدائية، وهو ما أتاح لعدد من اليهود أن يجدوا مجالًا رحبًا للعمل في التجارة (في المدن الصناعية الجديدة) وفي الحرف. وقد ظهرت حركة التنوير اليهودية تعبيرًا عن تقبُّل اليهود واليهودية لعملية التحديث.
ولكن محاولات تحديث اليهود تعثَّرت في شرق أوربا، وتفاقمت المسألة اليهودية لأسباب مركبة يرجع بعضها إلى طبيعة تركيب الدولة الروسية وطبيعة النظام الاجتماعي السائد فيها وفي دول شرق أوربا، والبعض الآخر يرجع إلى بعض السمات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا وبولندا، ومن هذه الأسباب:
1 ـ بدأت عملية التحديث، في روسيا وبولندا، في مرحلة متأخرة جدًا، إذ كان اقتصادهما، حتى بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، اقتصادًا يشبه من الناحية الأساسية اقتصاد البلاد التي يُقال لها متخلفة. ولم يكن لبولندا أو رومانيا مشروعات استعمارية مستقلة، بل كانتا مستعمرتين من قبل روسيا والدولة العثمانية. أما روسيا، فقد كان لها مشروعها الاستعماري الجديد في آسيا على حدودها مع تركيا في منطقة البحر الأسود، وعلى حدودها مع بولندا وأوكرانيا وغيرهما، وعلى حدودها مع الصين واليابان. ولكن هذا المشروع بدأ متأخرًا أيضًا ولم يكن قد آتى أُكله بعد نظرًا لحداثته ولعدم كفاءة البيروقراطية الروسية وعدم وجود رأس المال الروسي الكافي للاستثمار فيه. بل يُقال إن المشروع الاستعماري لروسيا القيصرية كان يُشكّل عبئًا على الخزانة الروسية، ولذا كان بعض المفكرين الروس يطالبون الدولة القيصرية بالانسحاب من مستعمراتها. ولهذا، لم يساهم المشروع الاستعماري الروسي في حل المشاكل الداخلية للدولة، بل لعله زادها تفاقمًا.