فهرس الكتاب

الصفحة 3385 من 8511

كمونيًا روحيًا) .

خامسًا: الرؤية الأخلاقية:

تنبع رؤية إسبينوزا الأخلاقية من الإيمان بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة ليس له أي استقلال عنها. والطبيعة كما يقول إسبينوزا محايدة خالية تمامًا من القيم البشرية، فلا هي بالجميلة ولا بالقبيحة، ولا هي بالخيِّرة ولا بالشريرة (فهذه كلها أفكار إنسانية ذاتية لا توجد إلا في ذهن الإنسان المتمركز حول ذاته) هي «أحوال للفكر» ، فالقيم الأخلاقية ليس لها مكان في المجرى الفعلي للطبيعة (الواقعية المادية) . وبينما نجد أن القيم الأخلاقية في نظر كثير من الفلاسفة التقليديين (المؤمنين بوجود خالق) هي الغاية النهائية لسلوك الطبيعة بأسرها، نجد أن ظهور القيم عند إسبينوزا هو في حقيقته تعبير عن ضيق حدود الذهن الإنساني وعدم قدرته على استيعاب الطبيعة بأطرافها اللامتناهية. وهكذا يحد الإنسان نظرته إلى الطبيعة بمجال معيَّن يتأمله من خلال أمانيه ورغباته الخاصة ويفسره على أساسها، بينما لو كان قادرًا على إدراك مجموعة العلاقات اللانهائية المتشابكة في الطبيعة لاختفت تمامًا هذه القيم التي صنعها، ولظهر كل شيء على حقيقته جزءًا من نسق هائل لا نهائي التعقيد في الكون، ولطرح المُثُل العليا جانبًا. وحيث إن الكمال هو الواقع (فكل القوانين كامنة في المادة ولا توجد خارجها) ، فالأخلاق تنتقل من مجال ما ينبغي أن يكون إلى مجال ما هو كائن، وبالتالي «تجاوز إسبينوزا الحواجز بين الواقع والمثل الأعلى، وبين ما هو فعلي وما هو معيار مثالي، وأنكر الخير المطلق، وبالتالي عالم الغايات الذي تركزت فيه الأخلاق المثالية بأسرها» ، وأحل بدلًا من ذلك عالمًا محايدًا لا غاية له ولا هدف يتحرك حسب قوانينه الداخلية. والأخلاق الحقة هي محاولة عدم إعاقة هذه القوانين عن التحقق لأن الإنسان (بتحقيقه هذه القوانين) يضمن لنفسه البقاء، فالبقاء هو القيمة المطلقة الكبرى باعتبار أن قوانين الكون ثابتة (ويُعَدُّ هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت