فهرس الكتاب

الصفحة 3424 من 8511

ويذهب برجسون إلى أن العنصر الحيوي في الامتداد الزمني المتدفق هو وحده الذي يتخلل كل الوجود الحقيقي، فالزمن يُلغي الوعي العقلي الجامد. ومن هنا، فإن عنصر الامتداد (الحيز) الزمني يمكن تعريفه باعتباره التغيُّر المستمر الذي يحدث في الزمن، وهو تغيُّر لا ينبع من أية قوى متجاوزة للزمن وإنما ينبع من طاقة داخلية موجودة في أجزاء الوجود (مهما تنوعت أشكالها) ؛ قوة كامنة متشابهة في الجميع: هي الحياة. وهذه الحياة الحالَّة في كل شيء تخلق فيما تحل فيه ميلًا خاصًا وتوجيهًا معينًا يؤثران في كل جزئية من جزئياته: وهكذا يظل الجسم المادي يتشكل ويتغير حسب ذلك التوجيه الذي تمليه تلك الحياة الدافعة الكامنة فيه، ويسميها برجسون «الوثبة الحيوية» (بالفرنسية: إيلان فيتال elan vital) التي تنبع من مصدر لا متناه يوجد داخل الكون ذاته.

واستمرار هذه الوثبة الحيوية وتعبيرها المستمر عن نفسها من خلال الزمان هو العنصر الأساسي في الكون. وينتج عن هذا أن ما يكوِّن الوعي هو الذاكرة، فالذاكرة هي التي تستوعب الامتداد الزمني لأنها تراكم لكل إنجازات الماضي وتستدعي الصور الذهنية التي مرت بنا في التجارب الماضية مقرونةً بما سبقها وما تلاها، فتتمكن بذلك من الحكم على المواقف المشابهة التي قد تعرض لنا حكمًا صادقًا. فالذاكرة، من ثم، علم. لكن للذاكرة فوق هذا عمل آخر. فمن خلالها ينمو الماضي ليصبح الحاضر، ومن خلال الحدس، الذي هو جوهر الذاكرة، يدرك الإنسان جوهره الشخصي باعتباره (هو ذاته) امتدادًا زمنيًا وحيويًا، وكذلك يدرك الامتداد الزماني المبدع الذي هو الحقيقة المطلقة. وبواسطة الذاكرة يمكن أن يستوعب الخلود بأسره في لحظة واحدة، وفي ذلك تحرير لنا من قيود الصيرورة الطبيعية التي تخضع لها الأشياء الجامدة، فهي من ثم تحوِّل الإنسان من آلة صماء في يد القوانين المادية ليصبح كائنًا مدركًا حرّ الإرادة قادرًا على الاختيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت