فهرس الكتاب
من هنا فكرة الشعاع المزدوج الذي تتم بمقتضاه عملية الوعي بالشيء إذ يخرج شعاع من الموضوع ليصل إلى الذات، ويخرج شعاع من الذات ليصل إلى الموضوع، فالإدراك عملية يلتحم فيها المدرك والمدرَك فيتوحدان في علاقة ويوجدان من خلالها. وهي ليست عملية سلبية من جانب الإنسان يتلقى فيها الأحاسيس المادية (فهو بذلك سيسقط في المادية والموضوعية المحضة التي رفضها هوسرل) وإنما تتَّسم بتركيز الأحاسيس بحيث يُصبح الإدراك انتباهًا (والتفكير يصبح تأملًا وهكذا) . والموضوع ذاته ليس مجرد شيء وإنما هو شيء مقصود من الشعور، يحتاج إلى التثبت داخل الوعي الذاتي. إن الذات دائمًًا ممتلئة بهذا العالم بسبب قصدية الوعي أو الشعور، والموضوع لا يعني شيئًا بدون وعي إنساني. ومن ثم فتحليل الشعور هو تحليل للقصد المتبادَل وتحليل للمعرفة في آن واحد.
ورغم أن هوسرل يفترض هنا وجود علاقة تبادلية، علاقة مواجهة ندية بين الذات والموضوع، إلا أن إرادة الموضوع مسألة يصعب تصورها، فما هي حاجة الموضوع لأن يتثبت في الوجدان؟ ما حاجة الشيء ذاته للإنسان؟ لماذا لا يُهيمن الموضوع على الذات تمامًا، كما تُهيمن الدولة والمؤسسات والشركات متعددة القوميات على الفرد/الذات؟ ولذا، فبدلًا من الوحدة العضوية الكاملة المقترحة بين الذات والموضوع، سنُواجَه في نهاية الأمر إما بثنائية صلبة أو واحدية موضوعية.