فهرس الكتاب
وإن كانت ثمة حلولية في فكر لوكاتش فهي حلولية كمونية علمانية مادية (حلولية بدون إله، وحدة وجود مادية) لا تختلف كثيرًا عن أية منظومة فكرية هيجلية تحاول أن ترى تجليات العقل المطلق في التاريخ والمادة. ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن لوكاتش يُدرك تمامًا مخاطر الحلولية الكمونية. ولذا، فإن تأكيده أهمية التجاوز وإصراره عليه، باعتباره ضمانًا وحيدًا لإنسانية الإنسان واستقلاله عن الطبيعة والتاريخ، أو أية كليات أخرى، أمر واضح للغاية. ولعل هذا هو سرّ المشاكل العديدة التي واجهها عبر حياته مع السلطات الماركسية اللينينية. ورغم كل هذا، فهو يظل يدور في إطار الحلولية الكمونية، لأن مصدر التجاوز يظل كامنًا في المادة أو في النفس البشرية. ولعل الحوار بشأن الماركسية الإنسانية في مقابل الماركسية العلمية هو حوار بشأن الحلولية الكمونية. فالماركسية الإنسانية تحاول الحفاظ على الإنسان داخل المنظومة الماركسية باعتباره كيانًا مطلقًا مستقلاًّ ذا إرادة مستقلة تعبِّر عن نفسها في اختيارات محددة بين بدائل مختلفة، ومن ثم فإن العلوم الطبيعية (التي تفترض وحدة الإنسان والطبيعة) لا تصلح لدراسة ظاهرة الإنسان. أما الماركسية العلمية فتحاول الوصول إلى القوانين العلمية التي تتحكم في كلٍّ من التاريخ والطبيعة على حدٍّ سواء والتي يتحرك التاريخ والبشر وفقًا لها، والتي تفترض وحدة الطبيعة والتاريخ (واحدية كونية) ، ولذا فهي تحاول تطهير الماركسية تمامًا من المطلقات أو الغائيات كافة وتؤدي في نهاية الأمر إلى الشمولية والأحادية السياسية. وقد رفض لوكاتش هذا النوع من الماركسية ولذا فهو يُعَدُّ واحدًا من أهم المفكرين المدافعين عن مقولة الإنسان داخل المنظومة الماركسية. والواقع أننا لو قلنا إن لوكاتش (المدافع عن الماركسية الإنسانية) يهودي، وإن كثيرًا من المدافعين عن الماركسية العلمية أيضًا يهود، وإن ماركس مؤسس النظرية الماركسية كذلك يهودي،