فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 8511

أما طريقة التنظيم الاجتماعي الحديثة فمختلفة تمامًا، فلا توجد دائرة واحدة تستوعب شخصية الإنسان في كليتها، إذ يجد الإنسان نفسه عضوًا في عدة دوائر غير متداخلة، فيشعر بولاءات مختلفة، فيكون ولاؤه الديني منفصلًا عن ولائه الوطني، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الوعي بالذات. ولا توجد سلطة واحدة تهيمن على الشخصية إذ تهيمن عدة مراكز على بعض جوانب من الشخصية وكيانه الاجتماعي، وهو ما يترك له حيزًا ضخمًا من الحرية. ويؤدي هذا إلى ظهور ما يُسميه زيميل «مأساة الحضارة» ، فالإنسان يصل إلى الحضارة من خلال استيعاب القيم الحضارية التي تحيط به، ومن خلال استخدام تراث الحضارة الذي صنعته يداه. ولكن الإنسان يجد نفسه يواجه، وبشكل مستمر، عالمًا من الأشياء الحضارية المتنوعة والمتعددة والمتجددة التي يجب عليه أن يستوعبها ويستبطنها، ولكنه يفشل في ذلك نظرًا لتنوعها وتعددها وتجددها، ولذا فإنها تصبح بعد قليل غريبة عنه ومصدر خطر على هويته، بل على كينونته الإنسانية. ولذا، تكتسب هذه الأشياء بعد قليل سمة برانية وتواجه الإنسان (الذي صنعها) باعتبارها الآخر، إذ تصبح لها بالفعل حركتها المستقلة عنه. وهكذا يجد الإنسان الحديث أنه يزداد تقدمًا وهيمنة على العالم وإنتاجًا لمزيد من السلع، ولكنه يجد نفسه نتيجة ذلك محاطًا بعالم من الأشياء التي تقهره وتهيمن عليه على حاجاته ورغباته لأنه لا يمكنه استيعابها ولا السيطرة على تراكمها أو تطوُّرها. فالتكنولوجيا تخلق منتجات لا ضرورة لها لتلبي احتياجات غير طبيعية، فهي نتيجة تطوُّر النشاط التكنولوجي في مسار مستقل، ويُولِّد العلم معرفةً لا ضرورة لها، معرفة لا قيمة متعينة لها، فهي نتيجة التطور المستقل للنشاط العلمي. وبالتدريج، تتشابك الأشياء الحضارية والمفاهيم التكنولوجية والعلمية وتصبح عالمًا مستقلاًّ قائمًا بذاته يفقد صلته بالتدريج بذات الإنسان ورغباته الأساسية. وهكذا، فرغم أن هذه الأشكال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت