فهرس الكتاب

الصفحة 3607 من 8511

ينتمي فرويد إذن إلى تقاليد التفكيك والتقويض المادية التي تودي بالإنسان كمقولة مستقلة عن عالم الطبيعة/المادة، ويقف على قمة هذه التقاليد الفيلسوف إسبينوزا الذي أدرك العالم من خلال نموذج حلولي هندسي بارد صارم. ولكن فرويد لم يكن ماديًا على طريقة إسبينوزا اللا تاريخية الجامدة، وإنما كان ماديًا على طريقة هيجل الدينامية الحركية، مادية المضمون مثالية الخطاب والديباجات. ومنظومة هيجل المادية واحدية مثل منظومة إسبينوزا ولكنها لا تتحقق دفعة واحدة في الزمان والمكان وإنما من خلال متتالية تاريخية. ولكن هذه المتتالية تنتهي عند نقطة محددة حيث يتحد المقدَّس والزمني ويتحد الفكر والمادة، أي أنها تنتهي بالتجسد الكامل حيث يصبح التاريخ جسد الإله لا يختلف كثيرًا عن إله إسبينوزا الذي هو الطبيعة، ولكن إله هيجل إله عضوي ينمو تدريجيًا إلى أن يصل إلى ذروته ولحظة اكتماله في نهاية التاريخ والفردوس الأرضي.

ينطلق فرويد من المفهوم التطوري الهيجلي (والدارويني) وإن كان لا يشارك النزعة الطوباوية الهيجلية. وقد أحدث ثورة في مفهوم الشخصية. فقد كان يرى أن الشخصية ثمرة التفاعل المتبادل بين التكوين الوراثي للفرد وبيئته الاجتماعية، أي أن الشخصية فيما يرى فرويد هي التفاعل المتبادل بين حاجات الفرد الداخلية (الغرائز والدوافع) والعالم الخارجي. والفرد يكشف عن حاجاته ورغباته الغريزية عن طريق البيئة، التي إما أن تتيح لهذه الرغبات والحاجات فرصة التحقق والإشباع أو تحول دون ذلك عن طريق التعويق أو الإنكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت