فهرس الكتاب
واللبيدو ليس غريزة وإنما دافع، فالغرائز (مثل البقاء المادي) ثابتة ذات طابع بيولوجي حتمي، أما الدوافع فهي متغيِّرة وأقل حتمية، يتغيَّر هدفها وموضوعها وقوتها. وقد كان اللبيدو في البداية جزءًا لا يتجزأ من غريزة البقاء ولكنه انفصل عنها وأصبح مستقلًا، فمص الثدي على سبيل المثال عمل بيولوجي له أبعاد لبيدية. فهو مصدر للبقاء ومصدر للذة الجنسية في الوقت نفسه. ومع انفصال اللذة عن البقاء والدوافع عن الغرائز يظهر قدر من التناقض إلى أن تصبح اللذة الجنسية نهاية في حد ذاتها، مستقلة تمامًا عن الرغبة في البقاء. وهي في هذه الحالة تُعدُّ انحرافًا عن غريزة البقاء نحو هدف آخر. وسنلاحظ هنا نمطًا أساسيًا عند فرويد: هو أن نقطة انطلاقه حتمية مادية، ولكنه يبذل في الوقت نفسه محاولات مستمية لخلق ثغرة أو حيز داخل النظام المادي المصمت يسمح للإنسان بقدر من حرية الإرادة.
واللبيدو ـ كما أسلفنا ـ هو الطاقة النفسية الكمية التي يستثمرها الإنسان في تعامله مع العالم الخارجي ولا يمكن فصله عن مفهوم صورة الجسد (إيماجو Imago) أو على حد تعبير ألفيم، المحلل النفسي البرتغالي،"صورة الجسد هي ظلام القاعة الذي نرى فيه الفيلم السينمائي". فالإنسان كما يراه فرويد يستثمر طاقته النفسية أو اللبيدو من خلال تصوره صورة جسده عبر مراحل تطورية معينة تبدأ برؤيته العالم كفم وثدي، مرورًا بالمرحلة النرجسية حيث يركز الإنسان على جسده وحده، إلى أن يفهم أن ثمة آخر في هذا العالم.