فهرس الكتاب
ونحن نرى أن كل ما فعله جرايتز هو علمنة المفاهيم الدينية التقليدية واستخدام رؤية عضوية حديثة لا تختلف كثيرًا عن الرؤية الحلولية الكمونية التقليدية. فالرؤية العضوية ترى كل شيء وهو ينمو من الداخل بدون حاجة إلى قوة خارجية، والرؤية الحلولية هي الأخرى تجعل المطلق يحل في النسبي وبالتالي يصبح لا حاجة له بقوة خارجية. وقد اتبع جرايتز، في ذلك، الخطاب العلماني العضوي في الغرب، خصوصًا في ألمانيا، والذي نبتت منه فكرة الشعب العضوي (فولك) والفكر الهيجلي بتركيزه على الفكرة المطلقة الكامنة التي تدفع التاريخ البشري إلى الأمام.
وانطلاقًا من مواقفه هذه، اتخذ جرايتز موقفًا معارضًا لليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية. فكان يرى أن الإصلاحيين في واقع الأمر أعداء لليهود واليهودية، فهم سيمزقون وحدة الشعب العضوي وسيقللون من تميُّزه وتفرُّده الأمر الذي سيؤدي في نهاية الأمر إلى اندماجه. ولكن جرايتز كان مختلفًا أيضًا عن الأرثوذكس فرفض الإيمان بأن اليهودية مسألة طاعة الإله، كما رفض أن يقبل الشولحان عاروخ باعتباره الشريعة التي لا تتغيَّر. ويقترب جرايتز في أفكاره كثيرًا من أفكار اليهودية المحافظة التي رأت أن القداسة في اليهودية لا توجد في الكتب المقدَّسة وإنما في الشعب اليهودي ذاته وفي تراثه أو موروثه الشعبي، وهذا جوهر الصهيونية أيضًا.
ولذا، لا غرو أن أفكار جرايتز صهيونية في مبناها ومعناها، فرؤيته لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» هي اللبنة الأساسية في الفكرة الصهيونية. ولكن ما يجدر ذكره أنه، على الرغم من بنية أفكاره الصهيونية، لم ينضم للحركة الصهيونية ذاتها، إذ رفض الانضمام إلى جماعة أحباء صهيون.
وقد اشترك في جهود الأليانس الإنقاذية والتوطينية، وكان عضو لجنتها المركزية. ولكن يظل التاريخ الذي كتبه والرؤية الصهيونية التي يجسدها هي المحك الأساسي الحقيقي.