فهرس الكتاب

الصفحة 4398 من 8511

ويتبدَّى تحويل الوظيفة إلى رمز في قضية الغيار (الرداء) أيضًا. والواقع أن إلزام الذميين بلبس الغيار لم يُطبَّق في أيام الرسول، أما عند الفتح الإسلامي، فقد كان غيار السكان المحليين مختلفًا عن رداء العرب المسلمين حيث مُنع المحليون من ارتداء زيّ العرب كضرورة أمنية في عصور الفتح. وكان الهدف من الاختلاف في الزي تأكيد التمايز وليس التميز، بمعنى أن الزيّ شكل من أشكال التعبير، أو هو لغة خاصة يتحدث بها الإنسان ويعبِّر بها عن هويته. والواقع أن التلمود ينصح اليهود بألا يرتدوا ملابس مثل ملابس الفرس (العنصر السائد في الإمبراطورية الفارسية التي كان يعيش فيها اليهود) . وفي العصر الأموي، استبدل بالغيار الزنار. ولعل الهدف منه كان إداريًا بحيث يمكن التمييز بين الذميين والمسلمين بما تقتضيه ضرورة تسيير شئون الدولة، وكان الزنار يشبه في ذلك بطاقة تحقيق الشخصية، ولكن بعض الفقهاء نسوا وظيفة الغيار الإدارية أو الأمنية العملية وفرضوا عليه مدلولًا رمزيًا بحيث أصبح الهدف منه الإذلال والتمييز.

ولا يمكن حسم هذه القضية إلا بالتمييز بين المعيارية الإسلامية (المثالية) والممارسات الإسلامية الواقعية، وهو تمييز ليس ممكنًا وحسب في إطار الإسلام وإنما حتمي وواجب لمن يؤمن بالإسلام دينًا يهديه سواء السبيل، ويتحرك في إطاره ويحتكم إلى منظومته القيمية والمعرفية.

وما يهمنا من وجهة نظر هذه الموسوعة أن نشير إلى أن التشريعات الإسلامية الخاصة بأهل الذمة (ومنهم أعضاء الجماعة اليهودية) لم تخلق قابلية لدى الجماعات اليهودية للتحول إلى جماعات وظيفية.

ويمكننا أن نضيف بعض العناصر الأخرى التي ساعدت على استقرار وضع الجماعات اليهودية كأهل ذمة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي وساهمت في عدم فرض دور وظيفي فريد أو متميِّز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت