فهرس الكتاب
ورغم وجود هذه العلاقة القوية بين الحلولية الكمونية اليهودية والصهيونية لا نستطيع القول بأن الحلولية اليهودية هي التي"أدَّت"إلى ظهور الصهيونية. فكل ما نريد تأكيده، في هذا السياق هو أن ثمة ارتباطًا اختياريًا قويًا بين التيار الحلولي الكموني والأفكار العلمانية. وهذه مقولة تنطبق على كل البشر وعلى كل العقائد ومنها العقيدة اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية. فالحلولية الكمونية ولَّدت عند معظم اليهود في شرق أوربا (ابتداءً من القرن الثامن عشر) استعدادًا كامنًا (كامنًا وحسب) للتأثر بالرؤى المعرفية الحلولية العلمانية التي يختلط فيها المطلق بالنسبي والمقدَّس بالزمني، وهي رؤى تشجع على العزلة وعلى جعل الذات موضع القداسة وموضع الحلول والكمون. ولقد فجرت اللحظة التاريخية والجغرافية التي وُجدت فيها اليهودية في أوربا الإمبريالية (في نهاية القرن التاسع عشر) الإمكانات الحلولية وغلَّبتها على غيرها من الإمكانات وهيأت لها سُبُل التحقق، فلولا أن الإمبريالية الغربية كانت في حاجة إلى دولة استيطانية في فلسطين، لما قامت للصهيونية قائمة ولما استولت الحلولية الكمونية على اليهودية ولربما ظلت تيارًا هامشيًا ليس له أيُّ ثقل أو وزن، ولربما أخذ الدين اليهودي نفسه مسارًا تاريخيًا آخر. ولكن ظهور الصهيونية بمساندة الإمبريالية وتأييدها، أعاق هذا التطور وساعد التيار الحلولي الكموني على السيطرة. ولكننا، على أية حال، نتوقع أن ينحسر المد الصهيوني الحلولي تحت تأثير الضغط العربي وظهور الفلسطينيين مرة أخرى على مسرح الأحداث، وتزايد أزمة الصهيونية. ولربما انتشرت الرؤية التوحيدية مرة أخرى، كما يتضح في لاهوت التحرير اليهودي. وإن كان هذا أمرًا صعبًا للغاية باعتبار أن الفكر الديني اليهودي يتحرك الآن في تربة غربية حلولية علمانية. وما يحدث عادةً أن الحلولية يتغيَّر نطاقها، وبدلًا من أن تكون ثنائية صلبة فإنها تصبح شاملة