فهرس الكتاب
إن الميتافيزيقا في داخل هذا الإطار هي تَطلُّع نحو المطلق الحق، «ما ليس بوجود» (يسميه لفيناس «أذر ذان بيينج other than being» أو «أذروايز ذان بيينج otherwise than being» ) . وهو لهذا السبب لا يمكن استيعابه فيما هو غيره، أي أنه وحدة نهائية لا يمكن أن تُردُّ إلى وحدة أخرى سواء أكانت أعلى أم أدنى مرتبة منها. ويبيِّن لفيناس أن الميتافيزيقا (بالمعنى التقليدي) قد تقيم تمييزًا واضحًا بين الإنسان الفرد المتعيِّن (الموجود) والآخر (الفريد ـ المتعيِّن ـ الموجود أيضًا) ، ولكن التمييز مرحلي ومؤقت لأن الأنا والآخر في الإطار التقليدي ينحلان في نهاية الأمر في كيان واحد، ومن ثم فإن التحدد أو التعين الخارجي (بالإنجليزية: إكستيريوريتي exteriority) الذي يسم الآخرية الحقيقية يضيع ويختفي ويتم استيعاب الآخر في الكل المجرد. ولذا نجد، في الإطار التقليدي، أن الأنطولوجيا تسبق الميتافيزيقا، تمامًا كما يسبق الكل المجرد الجزء المتعيِّن، وكما يسبق الوجود الموجودات.
إن الميتافيزيقي الحقيقي (اللانهائي ـ ما ليس بوجود) يتحقق لا في الذات ولا في الموضوع. وهنا نود أن نشير إلى أن كثيرًا من الفلسفات الغربية بعد نيتشه (الذي نسف تمامًا ثنائية الذات والموضوع وتأكيد الذات على حساب الموضوع) تحاول أن تجد الحل لا في الذاتي ولا في الموضوعي، وإنما في نقطة تقع بينهما. هذه النقطة يمكن تسميتها بفلسفات «تيار الحياة» وهو مصطلح مشتق من ديموقريطوس ( «إرادة القوة» عند نيتشه ـ «وثبة الحياة» عند برجسون ـ «عالم الحياة» [ليبنزفلت] عند هوسرل وهابرماس) . والعبارات كلها تعني العالم المعاش والواقع الموضوعي كما تجربه الذات. وهو عادةً يشير إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع أو تذوب فيها الذات في الموضوع، ومن ثم فلا يوجد فيها لا ذات ولا موضوع، فهي نقطة صيرورة كمونية كاملة تفلت من قبضة الكل الشامل.